
العبوديّة شرف الإنسان
كيف تؤثّر قوّة الخيال في الإنسان؟ وهل يُمكن للعبادة أن تُؤثّر من دون عبوديّة؟ هل يجوز إقامة الذكرى السنويّة لغير المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام؟ وما هو موقف العظماء من المدح والتلقّب بالألقاب؟ وهل يُمكن إطلاق عبارات من قبيل حسين العصر وعليّ الزمان؟ وأين يكمن شرف الإنسان وفخره؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعبدالله. قلتُ: يا أباعبدالله! ما حَقيقةُ العُبوديَّة؟» من حديث عنوان البصريّ الشريف.
العبوديّة شرف الإنسان
3لقد ذكرنا أنّ عنوان البصريّ قال للإمام: يا شريف! فأجابه عليه السلام مباشرةً بأنّ الشرف مختصّ بذات الباري تعالى، فقل لي: يا أبا عبد الله؛ لكن، لماذا منعه الإمام من مناداته بالشريف؟ أ فلم يكن عليه السلام شريفًا؟! وهل يوجد إنسان أجدر منه في الاتّصاف بالشرف؟! صحيح أنّه لا يوجد أيّ إنسان أليق من الإمام الصادق بذلك، لكنّه عليه السلام نهى عن هذا العنوان واللقب لسببين: الأوّل يرتبط بنفسه هو، والثاني يتعلّق بالتربية والمجتمع؛ وأمّا بالنسبة للسبب الراجع إليه، فإنّه لا يوجد من يُضاهي الإمام الصادق في إدراكه لعظمة الله تعالى؛ لا أنا، ولا أنتم، ولا الآخرون؛ والشخص الوحيد الآن الذي يُدرك عظمة الباري عزّ وجلّ هو إمام الزمان حضرة بقيّة الله أرواحنا له الفداء وعجّل الله تعالى فرجه الشريف؛ وكلّ من يدّعي خلاف ذلك كاذب؛ إذ لا يستطيع أيّ أحد سواه بلوغ درجة الخضوع والتذلّل والمسكنة والانقياد في مقابل هذه العظمة.
نموذج عن قوّة تأثير الخيال في الإنسان
لا أعلم هل اطّلع الحضور الكريم على كلام الإمام في دعاء أبي حمزة الثماليّ، أو سمعوا به، حيث كان بعض الأحبّة يسألونني: ما هذا الكلام الذي يذكره الإمام السجّاد في دعاء أبي حمزة حينما يقول: أنا الذي كذا، أنا الذي كذا، أنا الذي أذنبت، أنا الذي عصيت، أنا الذي تمرّدت على أوامرك، أنا الذي أنفقت الأموال في سبيل المعاصي، أنا الذي...؟! فما الذي يقوله هنا الإمام السجّاد؟! فهو إمام، وشؤونه ليست من باب المزاح، ومرتبته...؛ ولدينا رواية عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول فيها: إذا كان يوم القيامة، يُجمع كافّة الناس والخلائق، فيُنادي مناد: أين زين العابدين من بين هؤلاء الخلائق من الأوّلين إلى الآخرين؟ فهذه هي منزلة الإمام السجّاد! ثمّ قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: وفي هذه اللحظة، أرى ابني عليّ بن الحسين يمشي وسط هؤلاء الناس، ويتجّه إلى... ۱. وحينئذ، نرى الإمام السجّاد في دعاء أبي حمزة يتلفّظ بتلك الكلمات مع كلّ هذه الخصائص التي يمتلكها؛ أ فهل كان يمزح؟! أو كان يُمثّل؟! أو يتصنّع؟! إذ نجد البعض يقولون بأنّه كان يتصنّع؛ لكن، هل كان ذلك البكاء أيضًا من باب التصنّع؟ فهل يُمكن لأحد أن يتفوّه بمثل ذلك الكلام، ويذرف تلك الدموع [تصنّعًا]؟! أجل، يُقال إنّ من بين الفنون التي ينبغي على الممثّلين إتقانها في الأفلام وأمثال ذلك: أن تكون لهم القدرة على البكاء من دون تدخّل أيّ عنصر آخر؛ لكنّنا لا نستطيع القيام بهكذا أمور؛ وإذا كان أحد الحضّار يستطيع أن يُساعدنا في ذلك، فليتفضّل؛ فأنا غير مطّلع على هذه المسائل؛ لكنّهم يقولون إنّ هؤلاء الممثّلين لهم القدرة على البكاء بكلّ سهولة!
- كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حَدَّثَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ؛ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وَلِمَ تَقُولُ لَهُ زَيْنُ الْعَابِدِينَ؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ؟ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَلَدِي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَخْطِرُ بَيْنَ الصُّفُوفِ». (بحار الأنوار، ج ٤٦، ص ٣). المعرّب
