
العبوديّة شرف الإنسان
كيف تؤثّر قوّة الخيال في الإنسان؟ وهل يُمكن للعبادة أن تُؤثّر من دون عبوديّة؟ هل يجوز إقامة الذكرى السنويّة لغير المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام؟ وما هو موقف العظماء من المدح والتلقّب بالألقاب؟ وهل يُمكن إطلاق عبارات من قبيل حسين العصر وعليّ الزمان؟ وأين يكمن شرف الإنسان وفخره؟ هي تساؤلات سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعبدالله. قلتُ: يا أباعبدالله! ما حَقيقةُ العُبوديَّة؟» من حديث عنوان البصريّ الشريف.
العبوديّة شرف الإنسان
13شرف الإنسان في عبوديّته لله تعالى
يقول الإمام الصادق عليه السلام: لا تقل لي يا شريف، بل قل: يا أباعبد الله.. إلهي، كفى بي عزًّا أن أكون لك عبدًا، وكفى بي فخرًا أن تكون لي ربًّا؛ فهذا يكفيني، ولا أريد شيئًا آخر؛ فعزّتي وشرفي منحصران في أن أكون عبدًا لك، وأكون عبد الله؛ فهذا الذي يقوله الإمام الصادق: قل لي يا أبا عبد الله! وفخري الوحيد أن تكون لي ربًّا؛ وهذه بدورها مسألة مهمّة جدًّا.. {يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ}۱؛ فكم لنا نحن من ربّ؟ إلى ما شاء الله! فتعالوا بنا نعُدّ ذلك؛ فلنجلس يومًا ما في الغرفة، ونُغلق علينا الباب، ونأمر الأولاد بالتزام الهدوء، ونطلب من الآخرين عدم إزعاجنا ـ هل انتبهتم أم لا؟! ـ ونُفكّر في أنفسنا: كم لنا من ربّ؟ وما هو تعداد آلهتنا؟
اى هواهاى تو خدا انگيز *** ..................... [يقول: يا من اتّخذ هوى نفسه آلهةً تُعبد ........]
فكلّ هوى يأتيك يصنع لك إلهًا، وكلّ نزوة تحضُركَ تَنحَتُ لك إلهًا.
.................... *** وى خدايان تو خدا آزار [يقول: ................ إنّ آلهة هواك تُسخط عليك الإله]
وحينما تأتي تلك الأمور، تقوم بتنحية إلهك الحقيقيّ جانبًا.
أعتقد أنّ وقودي قد انتهى! وأنّني صرت أتحدّث بصعوبة، مع أنّ الكثير من المسائل لا زالت تحتاج إلى بيان؛ وكنت أظنّ بأننّي سأنتهي اليوم من الحديث عن هذا الموضوع.
ره رها كردهاى، از آنى گُم *** عزّ ندانستهاى، از آنى خوار [يقول: تنكّبتَ عن الدرب للحظة فضللتَ، وجهلتَ العزّ للحظة فلزمتك المذلّة]
كفى بي عزًّ أن أكون ...، أنتَ لم تعلم أين يكون العزّ؛ إنّ العزّ في العبوديّة أيّها المسكين! بينما أصبحت أنت ذليلاً، وصار واجبًا عليك أن تمّد يديك للجميع؛ فالإمام الصادق هو الذي يقول: قل لي يا أبا عبد الله! فهو أدرك العزّة؛ ولهذا، لا يهمّه أن يقول له كلّ العالم: «يا مسكين! يا كذا!»، بل سيقول: قولوا ما شئتم، وتحدّثوا بما يحلو لكم؛ لأنّني مأنوس بإلهي؛ ولتعمدوا أيّها المساكين إلى إضافة ألقاب إلى ألقابكم؛ فإن كان لديكم إثنان منها، فصيّروها ثلاثة؛ وإن كان لديكم ثلاثة، فاجعلوها أربعة: يا مالك رقاب كلّ العالم! يا حضرة فلان الفلانيّ! فاستزيدوا منها، ثمّ استزيدوا، واستزيدوا؛ لكن، حينما يأتي عزرائيل، فحتّى لو كانت لديك كومة من هذه الألقاب، فلن تنفعك، ولو بمقدار قشّة؛ هذا، مع أنّ مجيئه حقٌّ، ولا يُمكنك أن تتغاضى عنه؛ ولهذا، عليك أن تُفكّر في يوميك القادمين يا عزيزي! فاسعَ للتقليل من هذه الأمور! وانقص من حملك! وكن خفيفًا! واحذر من أن تُعرّضك هذه اللقاءات والاجتماعات للخسران! فما معنى عبارة «حضرة السيّد» التي اختلقوها؟ ومن يكون «حضرة السيّد» هذا؟! يكفي القول: السيّد الفلانيّ. علينا أن نكون حذرين ومنتبهين، وعلينا أن نجعل هذه المسائل نصب أعيننا؛ فنحن نريد ـ على حدّ زعمنا ـ أن نُطبّق ما قاله العظماء ببطء؛ وقد قلت لكم: هذا هو منهج العظماء، فما الذي سينقص منّا؟ وبحقّ، ما هو الشيء الذي سنفقده إذا لم يُنادوننا بحضرة السيّد؟ لا يا عزيزي! لن نفقد أيّ شيء، بل سنكسب أشياء؛ فإذا أردتم أن أكون فرحًا ومسرورًا وجذلاً، فاعلموا أنّ هذا هو الطريق لحصول لذلك؛ هل سمعتم؟ فهذا الأمر يصدق عليّ، وعلى الآخرين أيضًا.
- سورة يوسف، ذيل الآية ٣٩.
