
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعَبد اللهِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن مسألة الاتّصاف بالعناوين والألقاب، وأنّها تدور عادةً مدار الأمور الاعتباريّة والوهميّة، مبيّنًا في ضمن ذلك موقف الأولياء منها، وذاكرًا دورها في تغيير النفس، بل وحتّى انحرافها؛ ثمّ استعرض في ضمن ذلك علّة إطلاق الأولياء لبعض العبارات المختصّة بالأئمّة عليهم السلام على غيرهم، ليخلص في الأخير إلى أنّ التلقّب بالألقاب يخضع لحسابات خاصّة، لا سيّما بملاحظة دوره في إخراج الإنسان من حالة العبوديّة والفقر.
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
9ذات يوم، كنت بمحضر المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه، وكان المرحوم الوالد متواجدًا هناك أيضًا، وكذلك الشأن بالنسبة لجدّنا من جهة الأمّ.. الحاجّ السيّد معين الشيرازيّ رحمة الله تعالى عليه؛ والذي طرح سؤالاً على السيّد الحدّاد، لكنّ المرحوم العلاّمة هو الذي أجابه؛ فكان سؤاله بالنحو الآتي: لدينا رواية عن الأئمّة عليهم السلام بخصوص زيارة شهداء كربلاء [أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام] جاء فيها: «السلام عليكم يا أولياء الله وأحبّاءه، السلام عليكم يا أصفياء الله وأودّاءه، السلام عليكم ...»؛ ثمّ ورد فيها بعد ذلك: «بأبي أنتم وأمّي»؛ فكيف للإمام عليه السلام أن يأتي إلى مزارهم المطهّر، ويقول: بأبي أنتم وأمّي؟ فهذا يدلّ على أنّه عليه السلام يُريد فقط أن يُعلّمنا نحن ما الذي نقوله حينما نأتي لزيارة هذه المقامات، وإلاّ، فلا معنى أن يقف الإمام عليه السلام أمامهم، ويقول ذلك الكلام [حقيقةً]! فقال المرحوم العلاّمة في جوابه عن هذه المسألة: لا، لا يوجد أيّ إشكال في ذلك؛ ولا يوجد أيّ تناقض في أن يأتي الإمام عليه السلام بنفسه، ويذكر تلك العبارة؛ والسبب في ذلك أنّ تلك الأرواح المطّهرة المدفونة هنا لا تعُد لها أيّة جهة استقلاليّة؛ فحينما دخلوا في خيمة الإمام الحسين، وخضعوا لولايته عليه السلام، فقد صاروا عين الإمام الحسين؛ وهذا لا يعني أنّ كلّ واحد منهم صار بحدّ ذاته الإمام الحسين؛ وذلك لأنّه عليه السلام واحد، وليس لدينا إثنين منه، بل المراد من ذلك أنّهم تخلّصوا من جهة الغيريّة التي كانت لهم بالنسبة لسيّد الشهداء، وأصبحوا فانين في ذاته وولايته عليه السلام؛ ولهذا، فإنّ حبيب بن مظاهر لا وجود له الآن في الحقيقة، ومسلم بن عوسجة ليس له الآن أيّ وجود منفصل، ولا وجود مستقلّ الآن لبُرير، ولم يعُد الآن لعابس أيّ وجود منعزل، وليس لحضرة أبي الفضل وحضرة عليّ الأكبر أيّ وجود الآن؛ فالآن، هناك سيّد الشهداء وحسب! والآن هناك الإمام الحسين وكفى، ولم يعُد لغيره أيّ وجود. فحينما نقفهم أمامهم، ونقول: بأبي أنت وأمّي، فكأنّنا نقولها لسيّد الشهداء، وليس أنّنا نلحظهم بنحو مستقلّ عنه عليه السلام، ثمّ نُخاطبهم بتلك العبارة؛ وإلاّ، لو كانوا مستقلّين، لما كان أيّ معنى لأن يُخاطبهم إمام الزمان عليه السلام بها، ولو من باب المجاملة، أو إبداء الشكر والامتنان؛ لأنّ ما يصلهم الآن إنّما يصلهم من نافذة نفس إمام الزمان؛ فتلك الفيوضات التي يحصل عليها حبيب الآن تصله من ناحية إمام الزمان؛ وحينئذ، كيف يُمكنه له عليه السلام أن يقول له: بأبي أنت وأمّي؟! فهذا لا يصحّ؛ ومن هنا، فإنّ إمام الزمان واقف في الحقيقة أمام سيّد الشهداء، ويقول: بأبي أنتم وأمّي؛ فلا وجود هنا لحبيب بتاتًا؛ وعلى أيّ تقدير، فإنّ هذه المسألة عويصة وثقيلة على الأفهام، [وتحتاج إلى تفصيل أكثر]، لكنّ الجلسة قد شارفت على الانتهاء.
