
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعَبد اللهِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن مسألة الاتّصاف بالعناوين والألقاب، وأنّها تدور عادةً مدار الأمور الاعتباريّة والوهميّة، مبيّنًا في ضمن ذلك موقف الأولياء منها، وذاكرًا دورها في تغيير النفس، بل وحتّى انحرافها؛ ثمّ استعرض في ضمن ذلك علّة إطلاق الأولياء لبعض العبارات المختصّة بالأئمّة عليهم السلام على غيرهم، ليخلص في الأخير إلى أنّ التلقّب بالألقاب يخضع لحسابات خاصّة، لا سيّما بملاحظة دوره في إخراج الإنسان من حالة العبوديّة والفقر.
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
7حضرتني الآن مسألة لا بأس من ذكرها؛ فأثناء الحرب العالميّة الثانية، حينما أنزل الحلفاء قوّاتهم في اليابان وتلك المناطق الواقعة في الشرق الأقصى، تقرّر أن يلتقي في إحدى الجزر اليابانيّة قائد الجيش الأمريكيّ بالرئيس الأمريكيّ آيزنهاور على ما يبدو؛ فحدّدوا يومًا معيّنًا لهذا اللقاء. فالطرف الأوّل كان هو قائد الجيش الذي تغلّب على الأعداء؛ ولهذا، فقد كان يحظى بمكانة خاصّة جدًّا ومقامًا رفيعًا من ناحية سياسيّة واجتماعيّة، وبالنظر إلى الأعراف الدوليّة؛ وأمّا الطرف الثاني، فقد كان رئيس الجمهوريّة، ومكانته معروفة؛ فجاءا، ووصلا إلى محلّ اللقاء، بحيث كان كلّ واحد منهما يُخطّط لوصول خصمه أوّلاً، حتّى يصدق عليه حكم المستقبِل. وفي تلك الأثناء، وصلا معًا وفي نفس اللحظة إلى مطار تلك المدينة؛ ولا أعلم هل حصل ذلك حقيقةً، أم بحسب الاتّفاق والصدفة؛ فيٌقال إنّ تلك الطائرتين ظلّتا تُحلّقان في سماء المطار لمدّة نصف ساعة، وكلّ واحد منهما يأمر الآخر بالنزول أوّلاً؛ إلى أن أُجبرت في الأخير طائرة ذلك القائد على النزول أوّلاً؛ فقام آيزنهاور على الفور بعزله من منصبه؛ وذلك بسبب تصرّفه الوقح تجاه الساحة المقدّسة لرئيس الجمهوريّة.
وأمّا الحادثة الأخرى، فتتعلّق بشيخ من المشايخ أتى إلى مدينة، فجاء الناس لزيارته؛ وبعد انتهاء لقائه بهم، بدأ هو في مبادلتهم الزيارة، فاتّصلوا بأحدهم، لكي يأتي ذلك الشيخ لزيارته، لكنّه رفض، وقال: «بما أنّه ذهب لزيارة فلان قبل يومين، فإنّ ذلك يُعتبر إهانة في حقّي؛ لأنّ منزلتي أرفع من منزلته، فكان عليه أوّلاً أن يأتي لزيارتي أنا!»؛ فرفض أن يأتي لزيارته، ولم يتمّ ذلك اللقاء. فهل انتبهنا الآن إلى أنّ حكايتنا واحدة؟ وأنّ الأمر لم يختلف بالنسبة إلينا؟ فنفس الفعل الذي قام به الرئيس الأمريكيّ وقائد جيشه ـ واسمه على ما أتذكّر ماك آرتور، وقد كان قائد الجيش في الشرق الأقصى الذي تغلّب على اليابان ـ هو الذي نقوم به نحن؛ فكلا الفعلين على نسق واحد، ولا يختلفان أبدًا: لماذا يتقدّم هذا؟ ولماذا يتأخّر ذاك؟
جميع النفوس واحدة والاختلاف في الصور فقط!
في أحد الأيّام على عهد المرحوم العلاّمة، أراد رضوان الله تعالى عليه أن يبعث برسالة إلى أحدهم؛ وحينما طالعت الرسالة، قلت له: «يا سيّدي، ما هذه الألقاب التي وضعتها فيها؟»؛ فقال لي: «يا سيّد! إلّم أفعل ذلك، فلن يُسلّمونها له». وبحقّ، إذا أردنا التفكير في هذه المسألة، سنراها مشابهة في حقيقتها لتلك؛ ولهذا السبب، كان المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه يقول مرارًا وتكرارًا طيلة أيّام حياته: «إنّ النفس يا عزيزي واحدة، والفارق في الصور فقط!»؛ فالنفس التي أمتلكها أنا هي بعينها النفس التي تمتلكها أنت، ويمتلكها زيد، وعمرو، واليهوديّ، والنصرانيّ، والسلطان، ورئيس الجمهويّة، والوزير، والحارس، وذلك العامل في المعمل الكذائيّ، وذلك العالم الفلانيّ، وصاحب الرسالة العمليّة الفلانيّ.. فجميع هذه النفوس واحدة، والاختلاف في الصور فقط؛ فأنا أضع على رأسي عمامة، بينما ذاك يضع على رأسه قبّعة؛ وأنا أرتدي قباء وعباءة ورداء، بينما يرتدي هو قميصًا وسروالاً؛ فهي عبارة عن صور مختلفة، لكن، ماذا عن الباطن؟ هل هو مختلف أيضًا؟ أي: إذا ارتديت عباءة ورداء، هل إنّ باطني أيضًا سيرتدي هذا اللباس، أم أنّه سيطوي مسيرته الخاصّة من دون أن تكون له أيّة علاقة بذلك اللباس؟ أ فلم يعمد فضلاء المدرسة الفيضيّة بعينهم إلى نزع عمائمهم، وارتداء القبّعة، وشدّ الزنّار، وتقلّد منصب رئيس المحكمة، وغيرها من المناصب في مؤسّسات الدولة؟! فهؤلاء بأنفسهم هم الذين أقدموا على هذه الأفعال! أ فلم يكن السيّد حسن تقي زادة من المعمّمين؟ وكذلك الشأن بالنسبة للسيّد حسن تديّن.. رئيس المحكمة العليا الأنيق الذي قال ذات يوم لرضا شاه: «إنّ صاحب الجلالة لا يُعطينا رواتبنا كاملةً»؛ فقال رضا شاه: «يا له من لعين! لقد أعطيته وزنه من الأوراق النقديّة ذات المائة تومان ـ مع ملاحظة أنّ ذلك حصل في ذلك العصر ـ ولا زال يطلب منّي النقود؟!»؛ فمن كان هؤلاء؟ كانوا من الذين وضعوا العمائم على رؤوسهم، ومن فضلاء مدرسة دار الشفاء، والمدرسة الفيضيّة؛ فما هي علّة هذا الأمر؟ علّته أنّ النفس واحدة؛ فالنفس هي النفس؛ وحينما لا تُربّى هذه النفس، فإنّها تؤدّي إلى تغيّر الصورة بنحو هاديء جدًّا؛ فينزع الإنسان العمامة، ويضع القبّعة بدلاً عنها، ويحلق لحيته، وعوضًا عن ذلك، يشدّ الزنّار، وينزع لباسه، ويستبدله بلباس آخر؛ فالمسألة واحدة.
