
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعَبد اللهِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن مسألة الاتّصاف بالعناوين والألقاب، وأنّها تدور عادةً مدار الأمور الاعتباريّة والوهميّة، مبيّنًا في ضمن ذلك موقف الأولياء منها، وذاكرًا دورها في تغيير النفس، بل وحتّى انحرافها؛ ثمّ استعرض في ضمن ذلك علّة إطلاق الأولياء لبعض العبارات المختصّة بالأئمّة عليهم السلام على غيرهم، ليخلص في الأخير إلى أنّ التلقّب بالألقاب يخضع لحسابات خاصّة، لا سيّما بملاحظة دوره في إخراج الإنسان من حالة العبوديّة والفقر.
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
6فهذا هو دأب العظماء؛ إذ كانوا على حذر من الدخول في هذه الاعتبارات، وكانوا يسعون إلى بيان ذلك بكلمات وبيانات مختلفة؛ وخلاصة القول أنّ هذه المسألة دقيقة جدًّا؛ وليس من السهل أن يقول الإنسان: إنّ التكليف والشعائر وعظمة الإسلام وغيرها [تقتضي هذه الألقاب والعناوين].. لا يا عزيزي! إنّهم يسعون لخداعك! فما دخل عظمة الإسلام بذلك؟ فلو أنّهم لم يمنحونك هذه الألقاب، هل سيُقضى على الإسلام؟ أ ولسنا نتذكّر تلك الألقاب التي كانت تُطلق على صاحب الجلالة [الشاه]، حيث كان يُلقّب بالسلطان الأعظم وملك الملوك؟ وحتّى أنّني أذكر بأنّهم طبعوا على الأوراق في ذلك العهد عبارة «السلطان ظلّ الله في أرضه»، ووضعوها على الأبواب والجدران.
پادشه سايه خدا باشد *** سايه از اصل كى جدا باشد؟ [والمعنى: السلطان ظلّ الله، وهل يُمكن أن ينفصل الظلّ عن أصله؟]
فما الذي حصل لكلّ هذه الأمور؟ لقد كانت بأجمعها مجرّد كلمات، ومجرّد اعتبارات وتخيّلات؛ والتخيّل والاعتبار ينقضيان في يوم واحد؛ وأمّا السلطان الحقيقيّ، فمن يكون؟ هو ذاك الذي يبقى إلى الأبد؛ فقد كان ملكًا مطلقًا، وسلطانًا، ومالكًا على الدوام؛ وهو الآن كذلك، وسيبقى هكذا إلى الأبد؛ وأمّا غيره، فمجرّد خيالات واعتبارات؛ فإذا نظرتم إلى الكتب والرسائل التي تُدوّن، سترون أيّة ألقاب وعناوين توضع فيها؛ فهل هي فعلاً وحقيقةً كذلك؟ فهل أدركنا معنى آية الله؟ وفهمنا المراد من آية الله العظمى؟ واستوعبنا هذه العناوين التي نضعها، وننسبها إلى أنفسنا؟ أم أنّنا نمرّ عليها هكذا، وبنحو مشوّش، ومن دون أيّ فهم أو إدراك؟
نماذج لمسألة الخوض في الكثرات والأمور الاعتباريّة
يستعرض أمير المؤمنين عليه السلام خطبة في ذيل سورة {أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ}۱ المباركة، حيث ترجع حكاية هذه السورة إلى خلاف وقع في عصر الجاهليّة بين قبيلتين بخصوص أيّهما يتوفّر على عظماء وشجعان أكثر؛ فلجؤوا إلى الإحصاء والعدّ، فرجحت كفّة إحدى القبيلتين على الأخرى، لكنّ القبيلة المغلوبة لم تقبل، ودعت إلى إحصاء الأفراد الذين ماتوا أيضًا؛ فذهبوا إلى المقبرة، وبدؤوا يفتّشون القبور واحدًا واحدًا، وينظرون إلى شواهدها، ليعيّنوا إلى أيّة قبيلة ينتمي، إلى أن فازت إحداهما على الأخرى؛ لأنّ موتاها كانوا أكثر؛ وخلاصة القول، أنّهم كانوا يفتخرون بمثل هذه الأمور؛ فجاءت الآية تقول: {أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ}؛ فانظروا ماذا فعل بكم التكاثر؟ إنّ هذا الميّت هو الآن في صدد تقديم حسابه في ذلك العالم، وجئتم أنتم، لكي تفتخروا بعظامه النخرة! {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ}، وبدأتم في عدّ القبور {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}٢؛ فالمسألة ليست بهذا النحو؛ وإذا كنتم لا تستوعبونها الآن، فستستوعبونها لاحقًا؛ لكن، في ذلك الحين، سيكون الأوان قد فات، ولن تعود هناك أيّة فائدة؛ ولهذا، من الأحسن أن ينتبه الإنسان الآن، ويُدرك حقيقة الأمر؛ فهذا هو المراد من التكاثر. فالتكاثر والخوض في الكثرات يعني أن ينسب الإنسان إلى نفسه تلك المسائل التي لا علاقة له بها، وينسب إلى غيره الأمور التي ترتبط به هو؛ كأن يصير لديّ اهتمام بمعرفة من ينبغي عليه الدخول للمجلس: أنا أو فلان، ويُصبح النزاع قائمًا حول مسألة أيّنا يأتي مبكّرًا أو متأخّرًا؛ فإذا لاحظتم الآن ما يحصل في المنتديات الدوليّة، سترونهم يقولون: إن أراد أيّ واحد من طرفي النزاع [مثلاً] الدخول إلى مكان الجلسة، عليه ألاّ يأتي قبل الطرف الآخر، بحيث يصير في حكم المستقبِل.. أليس كذلك؟ وإلاّ، فإنّ ذلك سيُعدّ انتقاصًا من الطرف الآخر وكسرًا لشأنه؛ ولهذا، فإنّهم يجعلون في هذه الأمكنة بابين؛ فيضعون مثلاً طاولة الحوار أو المؤتمر في الوسط، ويجعلون البابين في مقابلها، ويصطفّ الطرفان وراء البابين؛ ثمّ ينفتح هذا البابان فجأة وفي لحظة واحدة، لكيلا يدخل إلى القاعة أحد الطرفين قبل الآخر، بل يدخلان معًا وفي نفس الوقت؛ فما هي علّة ذلك؟ إنّها الدنيا! وإلاّ، فما هو الفارق بين أن تأتي أنت أوّلاً، أو يأتي هو؟ ففي نهاية المطاف، سوف تجلسان، وتتحدّثان، وتتحاوران.
- سورة التكاثر، الآيتان ۱ و٢.
- سورة التكاثر، الآية ٣.
