
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعَبد اللهِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن مسألة الاتّصاف بالعناوين والألقاب، وأنّها تدور عادةً مدار الأمور الاعتباريّة والوهميّة، مبيّنًا في ضمن ذلك موقف الأولياء منها، وذاكرًا دورها في تغيير النفس، بل وحتّى انحرافها؛ ثمّ استعرض في ضمن ذلك علّة إطلاق الأولياء لبعض العبارات المختصّة بالأئمّة عليهم السلام على غيرهم، ليخلص في الأخير إلى أنّ التلقّب بالألقاب يخضع لحسابات خاصّة، لا سيّما بملاحظة دوره في إخراج الإنسان من حالة العبوديّة والفقر.
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
13فأولئك العظماء هم الذين انتبهوا لهذه المسألة، فكانوا على حذر في جميع الظروف وكافّة الأزمنة، وكانوا منتبهين ومتيقّظين، بحيث ما إن يتعرّضوا لأحد هذه المواقف، حتّى يُغلقوا الباب في وجهه، ويقطعوا الطريق أمامه، ولا يسمحوا له بالتقدّم أبدًا، ومن دون أن يكلوا ذلك إلى الغد، بحيث متى ما كان الموقف يستدعي التنبيه، فقد كانوا يعمدون إلى ذلك في الحين، ولا يدعون الأمر... ؛ وهكذا كان حال المرحوم العلاّمة، فلم يكن يقول: لا داعي لذلك، فلننتهج حاليًّا أسلوب المداراة، ولا نُبدِ أيّ شيء، ولندع الأمر يمرّ الآن، وسنُخبره بعد ذلك بكلّ هدوء.. لا يا سيّدي، فلا مجال هنا للمجاملة أو المواربة؛ ولهذا، كان يقول: «هذا عمل مجانب للصواب»، وينتهي الأمر! فلا ينبغي عليك أن تذكر [تلك الألقاب]؛ فما هو هدفك من ذكرها؟ هل تُريد بذلك أن تخدعنا أو تخدع نفسك؟ أو أنّ لك مصلحة شخصيّة في ذلك؟ لا، منذ البداية... لماذا؟ لأنّ ما نفقده هنا يفوق ما نكسبه، بل الأمر لا يقبل القياس بتاتًا؛ لأنّنا نفقد العبوديّة، ونحصل في مقابلها على ضحكتين، ونخسر ذلك الفقر، ونحصل بإزائه على تصفيقتين، ونُضيّع حالة المسكنة والذلّة، وننال بدلاً عنها بعض القيام والقعود [والاحترام]، وحسب؛ فنفقد ذلك الأمر الذي نحتاجه في العالم الآخر، في سبيل أن يأتي أحدهم في هذا العالم، ويقوم من مكانه احترامًا لنا لمدّة يومين، ثمّ يتخلّى عنّا في اليوم الثالث؛ يعني أنّ حتّى هذا الذي نحصل عليه لا يدوم؛ ولهذا، على الإنسان أن يكون تعيس الحظّ جدًّا وعلى درجة كبيرة من الحمق، لكي يتخلّى عمّا هو موجود في ذلك العالم الذي يُشكّل أصل بداية الحياة الإنسانيّة؛ فكم ستُعمّر في هذه الدنيا؟ ستُعمّر أيّها المسكين ستّين سنة؛ لكن، كم ستُعمّر في ذلك العالم؟ زائد ما لانهاية (باعتباره عددًا جبريًّا)؛ فكم سيبلغ مقداره؟ فهنا ستّين سنة، وهناك زائد ما لانهاية (+∞)؛ وحينئذ، عليك أن تُضحّي بزائد ما لانهاية من السنوات، لأجل عشر سنوات من الاحترامات والاعتبارات؛ لأنّ الإنسان عادةً ما ينال هذه الأمور من سنّ الخمسين إلى الستّين؛ أ وليست هذه حماقة؟! أقسم لكم بروحي إنّها لحماقة! بل ولا توجد حماقة أعلى منها! ولهذا، على الإنسان أن يكون متيقّظًا منذ البداية، وعليه أن يكون منتبهًا من أوّل خطوة يُريد أن يخطوها، وحذِرًا عند كلّ نَفَس يصدر منه؛ وإلاّ، سيأتيه الشيطان بكلّ سهولة كما قلت لكم؛ فهذا العظيم خبير جدًّا بالطرق، وعالم بأساليب لن تخطر ببالي وبالكم أبدًا؛ فيأتي، ويأتي، ويأتي، إلى أن تكتشف فجأة بأنّك قد ابتليت [بذلك المرض]!
