
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لشرح فقرة «قلتُ: يا شَريفُ! فقال: قُلْ يا أباعَبد اللهِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تحدّث سماحته عن مسألة الاتّصاف بالعناوين والألقاب، وأنّها تدور عادةً مدار الأمور الاعتباريّة والوهميّة، مبيّنًا في ضمن ذلك موقف الأولياء منها، وذاكرًا دورها في تغيير النفس، بل وحتّى انحرافها؛ ثمّ استعرض في ضمن ذلك علّة إطلاق الأولياء لبعض العبارات المختصّة بالأئمّة عليهم السلام على غيرهم، ليخلص في الأخير إلى أنّ التلقّب بالألقاب يخضع لحسابات خاصّة، لا سيّما بملاحظة دوره في إخراج الإنسان من حالة العبوديّة والفقر.
خطر الدخول في الاعتباريّات والوهميّات (التلقّب بالألقاب نموذجًا)
12فإذا أردنا ننسب اسمًا أو صفةً للإمام عليه السلام مثلاً، فإنّ ذلك سيختلف عن نسبته لإنسان عاديّ؛ فما أريد أن قوله هنا هو: إنّ تلك العبارة التي وضعها على الكتاب لم تكن باختياره، بل كانت تكليفًا وجب عليه الامتثال إليه بتلك الطريقة، وإلاّ، فإنّنا لا نستطيع نسبة الأوصاف والأسماء لأيّ شخص هكذا؛ لأنّ وضع الأسماء ونسبة الأوصاف يخضع لحسابات خاصّة، وينبغي على الإنسان أن يُراعي فيه مجموعة من القواعد، لا أن يُقدم على ذلك بشكل عبثيّ.
عدم الحذر في الاتّصاف بالألقاب يُخرج الإنسان من حالة العبوديّة والفقر
وعلى أيّ تقدير، فإذا جاء الإنسان، وألصق بنفسه هذه الأوصاف المرتبطة بعالم الكثرة، فإنّ ذلك سيُؤدّي إلى إحداث تغيير في نفسه، وخروجه من مرتبة العبوديّة والفقر؛ ولهذا، فإنّ من المسائل المهمّة التي ينبغي على السالك مراعاتها: أوّلاً، ألاّ يجعل نفسه عُرضةً لمثل هذه المسائل؛ وثانيًا، إذا تعرّض لها، أن يُخوّف نفسه دائمًا، ويُذكّرها، ويستحضر على الدوام حالة الفقر والحاجة والنقص المحض والتمحّض في النقص، حتّى لا يقع ـ لا قدّر الله تعالى ـ في تلك المحذورات؛ فأيّ إشكال في أن يُقال للإنسان مثلاً: سماحة السيّد الطهرانيّ؟! فإذا أراد ألاّ يكتب حتّى حجّة الإسلام، فلا يكتبها؛ وإذا أراد ألاّ يكتب حتّى آية الله، فلا يكتبها؛ بل لا ينبغي عليها كتابتها! فيكتب سماحة السيّد كذا وكذا.. كلّ واحد بمقتضى خصائصه؛ فما هو الإشكال في ذلك؟ لماذا يُريد الإنسان أن يفتح على نفسه هذا الباب منذ البداية، فيستعصي عليه بعد ذلك غلقُه؟ لماذا؟ فليُرح الإنسان نفسه من الأوّل؛ ومن هنا، يقول الإمام الصادق عليه السلام: «قل يا أبا عبد الله»؛ فلماذا تقول يا أيّها الشريف؟! قل يا أبا عبد الله؛ لأنّها كنيتي.. يا أبا عبد الله! فلا نعمل أيضًا على مناداته عليه السلام باسمه من باب الاحترام. فمع أنّ الإمام الصادق عليه السلام حائز على جميع الصفات والملكات الحسنة بسبب انمحائه وفنائه في الذات الإلهيّة، إلاّ أنّه في مقام التربية يقول لعنوان: تصرّف بهذه الطريقة يا عنوان! عليك أن تكون على حذر؛ لأنّك تضع الآن قدمك في طريق الحقّ والعبوديّة؛ فأوّل نقطة في هذا الطريق تتمثّل في حذف جميع الاعتبارات والتعيّنات؛ فحذار من [أن تنخدع] بامتلاكك لسنّ كبير، وأنّك قطعت شوطًا في الطريق، وأنّه قد اجتمع حولك بعض الأشخاص، وحذار من أن تأتي هذه التشجيعات والتصفيقات، وتُسقطك في الغفلة! وأقول لكم هنا أيضًا: إنّ الشيطان قد يأتي ويوسوس للإنسان بأنّ هذه الأمور لا تُؤثّر فيه، وبأنّه لا يرى نفسه أهلاً لتلك الأوصاف، وأنّه لا يسعى وراءها؛ فيعمل على خداعه، إلى أن تطرأ حادثة معيّنة، ليكتشف بأنّ الأمر ليس بذلك النحو، وأنّه كان يرى نفسه فعلاً أهلاً لتلك الأمور؛ فحينما يأتي الامتحان، تتبيّن لنا الخدعة التي انطلت علينا؛ وما أعظمها من خدعة! فقد بلغت حدًّا صرنا معه عاجزين عن التخلّص منها؛ وحينئذ، لماذا يسمح الإنسان بانطلائها عليه منذ البداية؛ فإذا كان الكثير من هذه الأمور مضرّ، فإنّ القليل منها مضرّ أيضًا.
