
الفهم: تعريفه، أهمّيته، ونتائج عدم الالتزام به
تعريفه، أهمّيته، ونتائج عدم الالتزام به
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس الله تعالى نفسه الزكيّة لشرح حديث عنوان البصريّ، تحدّث سماحته بدايةً عن ضرورة استعمال الإنسان العلم لبلوغ أعلى مرتبة تقتضيها ذاتُه، ثمّ عرّج بعد ذلك على مسألة الفهم، حيث بيّن أوّلاً الفارق بين العلم والفهم، والذي يتلّخص في رضوخ النفس وإذعانها للحقّ؛ ثمّ تعرّض بعد ذلك لأهميّة هذه المسألة، وتحديدها لدرجة قرب الإنسان من الله تعالى، وكذلك للأخطار المترتّبة على عدم الالتزام بها؛ إلى جانب حديثه عن مسائل وقضايا أخرى ذات صلة بهذا الموضوع
الفهم: تعريفه، أهمّيته، ونتائج عدم الالتزام به
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس الله تعالى نفسه الزكيّة لشرح حديث عنوان البصريّ، تحدّث سماحته بدايةً عن ضرورة استعمال الإنسان العلم لبلوغ أعلى مرتبة تقتضيها ذاتُه، ثمّ عرّج بعد ذلك على مسألة الفهم، حيث بيّن أوّلاً الفارق بين العلم والفهم، والذي يتلّخص في رضوخ النفس وإذعانها للحقّ؛ ثمّ تعرّض بعد ذلك لأهميّة هذه المسألة، وتحديدها لدرجة قرب الإنسان من الله تعالى، وكذلك للأخطار المترتّبة على عدم الالتزام بها؛ إلى جانب حديثه عن مسائل وقضايا أخرى ذات صلة بهذا الموضوع
الفهم: تعريفه، أهمّيته، ونتائج عدم الالتزام به
7ولنضرب مثالاً على ذلك: افرضوا أنّ لكم ابن، أو أخ، أو رفيق؛ وأنّكم لم تروا هذا الرفيق لمدّة طويلة، حيث يكون قد رحل، ولم يأتكم عنه أيّ خبر لمدّة عشرين أو ثلاثين سنة؛ ومهما بحثتم عنه، فإنّكم لم تعثروا عليه؛ فقد فُقد، وانقطعت أخباره بشكل تامّ، بل صرتم تحتملون بأنّه ارتحل عن هذا العالم؛ ووضعتم إعلانات هنا وهناك، وبحثتم عنه في كلّ مكان يخطر على بالكم، لكن من دون ثمرة؛ فلم تُسفر جهودكم عن أيّة نتيجة. وافرضوا من باب المثال ـ وأنا سأضرب مثالاً بسيطًا جدًّا ـ أنّكم تمشون ذات يوم بالسيّارة في الشارع، فصدمتكم سيّارة أخرى؛ فتنزلون، وتقولون: «لماذا تقود السيّارة بهذا النحو أيّها السيّد! لماذا لا تنظر أمامك؟ لماذا لا تنظر خلفك؟ يجب عليك الانتباه! وكذا... وعليك أداء الغرامة، فقد تضرّرت السيّارة بهذا الشكل!»؛ ونظير هذا الكلام المتعارف؛ لكن، ما إن تزداد المسألة حدّة، وتبدأ تخرج عن حالتها العادية، وتتحوّل على شجار، حتّى تلتفت فجأة إلى أنّ السائق هو نفس رفيقك الذي كنت تبحث عنه طوال ثلاثين سنة؛ وتراه بملامح وصفات خاصّة، فتقول له: «يا للعجب! هل أنت هو فعلاً؟!»؛ فتغضّ الطرف عن الحادثة التي وقعت، ومسألة الشجار، وطلب المال، ودعوتك له للذهاب إلى المحكمة، وتُعانقه، وتُقبّله، وتقول له: «فداك مالي، وسيّارتي، وحياتي، وعملي، و...»؛ وتبدأ بتقبيله، وتقول له: «أين كنت كلّ هذه الفترة؟»؛ فيقول لك: «لقد صدمت سيّارتك»؛ فتقول له: «فلتذهب السيّارة إلى الجحيم؛ فما الذي تقوله؟»؛ يا عزيزي! لقد كنت بنفسك تُريد أن تسوقه قبل دقيقتين إلى المحكمة ومركز الشرطة؛ وكانت لك رؤية أخرى مغايرة! هل رأيتم؟ فلدينا هنا شخص واحد، ووحدها الرؤية التي تغيّرت، والفكر هو الذي تبدّل؛ فتجد الإنسان يرى كلّ العالم جنّة؛ لكنّ رؤيته تتغيّر، فيصير كلّ العالم بالنسبة إليه جهنّم. فهذا هو معنى العرفان؛ أي أن يُصحّح الإنسان رؤيته للحوادث والوقائع؛ فهذه هي حقيقة المسألة؛ وحينئذ، سيُصبح كلّ شيء على ما يُرام.
معيار القرب من الله تعالى: الخضوع للحقّ
إنّ حقيقة إدراك الإنسان لأيّة مسألة هو عبارة عن خضوعه للحقّ وخشوعه أمامه، بحيث يُؤدّي ذلك إلى تغيير رؤيته وفكره تجاه هذه المسألة. فمعيار القرب من الله تعالى لا يتمثّل في تكديس العلوم، بل في الصفاء والخلوص الذي يتحقّق في تلك المرتبة من الفهم، ويكمن في استعداد القلب وتهيّؤ النفس لأجل تلقّي الحقائق.. هذا هو المعيار. ففيما يخصّ ثورة سنة ألف وثلاثمائة وإثنين وأربعين التي بدأها المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، برفقة المرحوم السيّد الخمينيّ رضوان الله عليه، كان من ضمن الكلام الذي وجّهه المرحوم العلاّمة للسيّد الخمينيّ أن قال له: أيّها السيّد! لا ينبغي عليك أن تجعل مسألة الثورة والنهضة متمحورة حول العلماء والمشايخ، بل عليك أن تجعل المحوريّة فيها لنفس الإسلام، ولتلك الحقيقة التي بُعث على أساسها الأنبياء والنبيّ الخاتم والأئمّة عليهم السلام إلى هذا العالم، وعلى أساسها لجؤوا للتشريع والتربية؛ فهذا هو الأساس الذي ينبغي علينا أن نعتمده؛ والناس مختلفون في نسبتهم إلى هذا الطريق والمسار؛ فجميع الناس بشر، ولكلّ واحد منهم ضمير ووجدان وفطرة، ولكلّ واحد منهم مُدركات خاصّة؛ فمن أين لنا نعلم بأنّ قلب ونفس تلك المرأة ـ التي نشأت وكبرت ونمت في ظلّ تربية خاطئة، وصارت تعتمد في أعمالها على ثقافة سيّئة، وأصبحت معروفة في المجتمع بارتكابها للأفعال المشينة؛ كالغناء وأمثاله، والظهور بلباس عار على مرأى من الرجال، والقيام بمختلف الحركات؛ معتقدةً بأنّها تُمارس الفنّ ـ أدنى من حيث القُرب من الله تعالى، وتلقّي الحقّ، وصفاء الباطن من ذلك العالِم الذي انهمك في الدراسة، وبذل مجهودًا كبيرًا في ذلك؛ غير أنّ هذه الدروس لم تزده إلاّ بُعدًا من الله تعالى، ومن الأنانيّة، والغوص في التخيّلات والتصوّرات [الباطلة]، وطلب الوصول إلى المناصب الدنيويّة؟
