
محوريّة الحقّ في مدرسة التشيّع
هل من السهل استعمال العلم في طريق الإخلاص؟ ما هي الميزة الأساسيّة التي تفصل التشيّع عن بقيّة المذاهب؟ هل يجوز للشيعيّ تقديس غير المعصومين الأربعة عشر؟ كيف ينبغي أن تكون علاقتنا بالحقّ؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها تتمّةً لشرح فقرة «واطْلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِه» من رواية عنوان البصريّ الشريفة؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من المسائل والمباحث الفرعيّة الأخرى.
محوريّة الحقّ في مدرسة التشيّع
9القداسة في مدرسة التشيّع مقتصرة على المعصومين الأربعة عشر وحسب
فنحن الآن نُشكل على إخواننا من أهل السنّة بأنّهم على هذه الشاكلة، لكن، هل نحن مختلفون عنهم؟ فنحن نقوم بالفعل ذاته، ونُطبّق المسألة ذاتها. إنّ القداسة في مدرسة التشيّع مقتصرة على المعصومين الأربعة عشر فقط؛ وأمّا الباقي، فعليهم مواءمة أنفسهم معهم؛ وإذا لم يتمكّنوا من ذلك، فالمشكلة راجعة إليهم هم، وليس إلينا نحن.
لقد شاهدت المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه يُمجّد والده مرّات وكرّات؛ وأنا أريد أن أنقل هذه القصّة لأوّل مرّة هنا؛ إذ لم أتحدّث عنها حتّى في المجالس الخاصّة؛ لكنّني أريد هنا أن أذكرها للرفقاء والأحبّة لكي يتبيّن لنا أنّ الفرد ليس بملاك، بل الملاك بالنسبة إلينا هم المعصومون الأربعة عشر وحسب؛ وأمّا غيرهم فليسوا بملاك كائنًا من كانوا. لقد كان المرحوم العلاّمة يمدح أباه كثيرًا؛ فقد كان رجلاً عظيمًا، ومن أهل الإيثار والإنفاق والحلم؛ كما أنّ الجهاد الذي أبداه ضدّ رضا شاه لم يقم به أيّ أحد؛ وقد كان يرى جميع الناس أنّه الوحيد الذي... ؛ أجل، كان هناك أيضًا المرحوم المدرّس، والذي أبلى بلاءً حسنًا في تلك الظروف، ولم يكن يغضّ الطرف عن الحقّ، وكان بحقّ رجلاً شجاعًا، ولا يأبه لأيّ شيء، ويهمّه فقط اتّباع الحقّ والصراحة في الكلام وأمثال ذلك؛ ومع ذلك، فإنّ الضغوطات التي تعرّض لها جدّنا كانت عجيبة حقًّا؛ وينقلون عنه العديد من الحكايات في هذا المجال؛ فيحكي عنه أولئك المسنّون الذين عاصروا تلك الفترة، ولا يزالون على قيد الحياة، وكانوا يعيشون في شارع شاه آباد والمسمّى حاليًّا بشارع الجمهوريّة، وفي منطقة بهارستان حيث كان يتردّد هناك أنّه ولمرّات عديدة حينما كان يمرّ رضا شاه بسيّارته من هناك، فإنّه كان يقف أمام السيّارة إمّا عمدًا أو لا ـ فأنا لا أعلم ـ ، حتّى تضطرّ سيّارة رضا شاه للتوقّف، فيعبر هو؛ فإلى هذه الدرجة كان يُبدي معارضته العلنيّة له؛ وكان رضا شاه يقول ـ وهذا عجيب جدًّا ـ: أنا لم أشاهد من بين المشايخ والعلماء أحدًا أشدّ وأصلب من السيّد محمّد صادق اللاله زاري في معارضته لرأينا في مسألة الحجاب ومخالفة الأحكام الإسلاميّة. ويحكي لنا والدنا ـ وأنا أذكر هذه الأمور من باب التأكيد على المسألة التي أريد بيانها ـ أنّه كان يقول: «بعدما لاذ رضا شاه بالفرار، ورحل عن إيران، تمكّنت تلك الليلة وبعد مرور عشرين سنة من وضع رأسي على الوسادة بكلّ راحة»؛ وكان جدّنا يقول: «ذات ليلة، تمنّيت ألاّ أبقى حيًّا إلى الصباح بسبب أفعال ذلك الرجل!»؛ وهو لم يكن مازحًا، حيث كان مضربًا للأمثال في غيرته على الدين؛ وكانت أحواله ومعنويّاته تحكي عن علوّ نفسه، وإبائه، وسموّ روحه؛ فجميع هذه المسائل صحيحة؛ لكن، ذات يوم، كنت في الطابق العلويّ من منزلنا بطهران، وقد كان عمري آنذاك يبلغ تقريبًا السادسة أو السابعة عشرة، فسمعت صوت والدي قد ارتفع أثناء حديثه مع بعض أخواته بشأن مهر أحد بناتها؛ أي بخصوص مهر ابنت أخته، بحيث إنّ المسألة كانت ستصل ـ مثلاً ـ إلى حدّ النزاع؛ وفي تلك الأيّام، كنت مشغوفًا بحبّ الاستطلاع؛ فأحببت أن أنزل إلى تحت، لكي أرى ما الذي يحدث، فوقفت عند الممرّ، لكي أسمعهم ماذا يقولون؛ فشاهدت المرحوم العلاّمة يتحدّث، وتلك المرأة التي كانت من أقربائه، ومحارمه كانت تقول: «لا يُمكننا تجاوز ذلك المنهج الذي سار عليه المرحوم الوالد»؛ فقال لها: «إنّ هذا الكلام مجانب للصواب؛ فالمنهج الوحيد الذي نقبل به هو منهج الأئمّة عليهم السلام؛ ومهما كان والدي، فقط أخطأ في هذه المسألة».. هكذا بصوت مرتفع!
