
محوريّة الحقّ في مدرسة التشيّع
هل من السهل استعمال العلم في طريق الإخلاص؟ ما هي الميزة الأساسيّة التي تفصل التشيّع عن بقيّة المذاهب؟ هل يجوز للشيعيّ تقديس غير المعصومين الأربعة عشر؟ كيف ينبغي أن تكون علاقتنا بالحقّ؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها تتمّةً لشرح فقرة «واطْلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِه» من رواية عنوان البصريّ الشريفة؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من المسائل والمباحث الفرعيّة الأخرى.
محوريّة الحقّ في مدرسة التشيّع
15فمن الذين قام بكلّ هذه الأعمال؟ قام بها والدنا، حيث أحضر الجميع إلى هناك، فوقّعوا على أنّ آية الله السيّد الخمينيّ مرجع، وانّ المرجعيّة تتمتّع بالحصانة؛ ولهذا، فقد رُفع عنه حكم الإعدام بتلك الطريقة؛ أي أنّ والدنا هو الذي رفع حكم الإعدام عن سماحة آية الله الخمينيّ، وليس أحد آخر؛ فقد كان ذلك من تخطيطه هو؛ لكن، هل أتوا على ذكر اسمه في الكتب؟!
فهذا ما يقوله التاريخ؛ ويوجد الآن بعض الأشخاص ممّن حضروا تلك الأحداث؛ وأنا الآن سأذكر اسم أحدهم؛ وهو والد صديقنا المكرّم، وسيّدنا المبجّل سماحة الشيخ روح الله الحائريّ؛ أي آية الله الشيخ صدر الدين الحائريّ؛ وهو على قيد الحياة، ويعيش بشيراز؛۱ فاذهبوا إلى هناك، واسألوه؛ فقد كان من العناصر السرّية التي تُحيط بالمرحوم الوالد؛ علاوةً على المرحوم الشيخ مطهّري، وآية الله المرحوم القاضي الطباطبائيّ، والذي استُشهد على يد جماعة الفرقان، حيث كانت ثلّة من الأفراد تُشكّل جماعة سرّية لها ارتباط بآية الله السيّد الخمينيّ فقط؛ ومن بينهم آية الله الحائريّ الشيرازيّ؛ فاذهبوا عنده، واسألوه عن تاريخ الثورة؛ إذ لا يزال على قيد الحياة. أ فليست خيانة للتاريخ أن يأتي الإنسان، ويكتب عنه، بنحو يُؤدّي إلى غفلتي أنا الذي لا أملك أيّ وسيلة للاطّلاع، سوى مجموعة من الأوراق التي أراها أمامي؟! إنّها خيانة! فكما أنّ تضخيم الشخصيّات خيانة للتاريخ، فإنّ التنقيص منها أيضًا خيانة له؛ فالتاريخ ينبغي أن يكون شفّافًا وواضحًا؛ كما أنّ المؤرّخ يجب عليه التزام الشفافيّة عند الكتابة؛ ويتعيّن عليه تقديم التاريخ للأجيال اللاحقة بنحو شفّاف.
إنّ خلافنا مع أهل السنّة يرجع برمّته إلى هذه المسألة؛ فلماذا يستنكف العامّة عن الحديث لأبنائهم عن حادثة ركل الباب، وضرب ابنة النبيّ؟ لماذا؟ لماذا لا تنقلون هذه المسائل؟ لماذا لا تحكون لهم عن سحب عليّ عليه السلام بالحبل؟ لماذا تقصّون عليهم التاريخ، بنحو يُؤدّي بهم للقول: «أ فهل كان عليّ يُصلّي؟!»؟ فمن الذي كان يلجأ إلى هذه الأفعال؟ كان يقوم بها معاوية؛ فحينما سمع أهل الشام بأنّ الإمام عليّ عليه السلام قُتل في المحراب ـ الأمر الذي لم يتمكّن معاوية من إخفائه ـ ، فإنّهم قالوا: «وهل كان عليّ يُصلّي، حتّى يقتلوه في المحراب؟»؛ وهذا يعني أنّهم لم يكونوا على علم، ونُقلت لهم الأحداث بشكل مشوّه؛ لكن، من الذي أقدم على ذلك؟ لقد كان أمثال أبي هريرة، وأبي الدرداء، وسَمُرة بن الجُندَب، وأولئك المشايخ يعتلون المنبر، ويقولون: سمعت من شفتي رسول الله أنّه قال: إنّ آية {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ}٢ وردت في حقّ ابن ملجم؛ في حين أنّ آية {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ}٣ جاءت في حقّ عليّ؛ فمن الذي كان يذكر هذا الكلام؟ إنّهم المشايخ بعينهم؛ غاية الأمر أنّهم مشايخ ذلك العصر؛ وهم مجموعة من الأفراد سمعوا بعض الأشياء من النبيّ، وكانوا وجهاء عند الناس؛ فهؤلاء هم الذين كانوا يُقدمون على تلك الأفعال؛ وإلاّ، فإنّ المجرم وقاطع الطريق لا يُمكنه اعتلاء المنبر، وحتّى إذا تمكّن من ذلك، فلن يُصغي أحد إلى كلامه، بل سيضحك الناس عليه، مهما قال؛ ولهذا، ينبغي أن يكون أبو هريرة هو من يعتلي المنبر؛ حتّى يقول الناس: «لقد حضر عند الرسول؛ ولهذا، فإنّه صادق»، ويجب أن يأتي سمرة بن الجندب، حتّى يقول الناس: «لقد كان برفقة النبيّ لمدّة عشرة أو ثلاثة عشرة سنة؛ ولا بدّ أنّه سمع عنه أشياء»، ويقولوا أيضًا: «إنّه صادق»، وينبغي أن تأتي شخصيّة مثل عائشة زوجة الرسول، وتمتطي الناقة لتخدع الناس، ويقولوا: «إنّها صادقة»؛ بينما لو جاءت امرأة كيفما كانت، وفعلت ما فعلته عائشة، لقال الناس: «يا عزيزي! إنّ هذه تتوفّر على السوابق الكذائيّة»، ولما قبلوا بكلامها. وهذا هو الذي يُلحق الضرر بالتاريخ؛ فالضرر الذي يلحق بالتاريخ ينجم عن تفريطنا بنهج الأئمّة عليهم السلام ومدرستهم، وإشغال فكرنا بمسائل هامشيّة، وانحرافنا عن مسألة الحقّ والحقيقة، وخوضنا في مسائل مجانبة للصواب، ومزجنا للحقّ بغيره من الأهواء والأمور الأخرى؛ فنصاب بالخسران بمقدار من نرتكبه من هذه الأفعال.
- كان هذا الكلام قبل خمس سنوات تقريبًا من ارتحال آية الله صدر الدين الحائريّ رحمة الله تعالى عليه؛ ولهذا، اقتضى التنويه. المعرّب
- سوره البقرة، الآية ٢۰۷.
- سورة البقرة، مقطع من الآية ٢۰٥.
