
محوريّة الحقّ في مدرسة التشيّع
هل من السهل استعمال العلم في طريق الإخلاص؟ ما هي الميزة الأساسيّة التي تفصل التشيّع عن بقيّة المذاهب؟ هل يجوز للشيعيّ تقديس غير المعصومين الأربعة عشر؟ كيف ينبغي أن تكون علاقتنا بالحقّ؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها تتمّةً لشرح فقرة «واطْلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِه» من رواية عنوان البصريّ الشريفة؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من المسائل والمباحث الفرعيّة الأخرى.
محوريّة الحقّ في مدرسة التشيّع
11عدم بلوغ أعلى مراتب التوحيد والعرفان ليس مسوّغًا لعدم احترام العلماء الأعلام
ذات يوم، كنت أشارك في مجلس يحضره أيضًا بعض أصدقاء المرحوم الوالد القدامى، فأقدموا كنايةً وتلميحًا على إهانة أحد العلماء المتقدّمين بقولهم: هذا كذا وكذا... فانتابني الأسى والاستياء في ذلك المجلس، وقلت: ما الذي تعنيه إهانتكم لهذه الشخصيّة العظيمة؟ فالشيخ عبّاس القمّي لم يكن بالشخصيّة الهيّنة؛ فهو صاحب كتاب مفاتيح الجنان؛ وقد كان مشهورًا بالقداسة والتقوى، وكان يقول: لقد عملت بجدّ لمدّة ثلاثين سنة من أجل تأليف كتاب سفينة البحار؛ والعلماء والطلاّب مطّلعون على الجهد والتعب الذي بذله المرحوم الشيخ عبّاس القمّي في النظر في كتاب بحار الأنوار، لتصنيف كتاب سفينة البحار؛ كما كان من أهل التهجّد وصلاة الليل، وكان رجلاً عظيمًا، ووجهه يشعّ بالنور؛ لكنّه لم يكن من أهل العرفان.. حسن جدًّا، لم يكن منهم؛ لكن، هل إنّ الذي لا يكون من أهل العرفان، ولا يكون واقفًا على المسائل التوحيديّة سوف يذهب إلى جهنّم؟! فلكل واحد مقام خاصّ، ودرجة معيّنة؛ والله تعالى ينظر إلى همّة كلّ فرد، وإخلاصه في العمل؛ وبمقدار ما يتحقّق بذلك، يُعطيه الله تعالى الأجر والثواب، ويرفع من مقامه ودرجته؛ وصحيح أنّ الباري عزّ وجلّ لم يُوفّقه إلى إدراك تلك المراتب الرفيعة، لكنّ ذلك لا يعني أنّ الجنّة ستكون خالية بأجمعها، سوى مرتبة واحدة عالية مختصّة بأفراد معدودين، بل إنّ للجنّة مراتب مختلفة: مرتبة عالية، ومرتبة أدنى، إلى أن نصل إلى مرتبة ...؛ أ فلم يتحدّث القرآن الكريم عن أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والمقرّبين؟ فأصحاب اليمين هم طائفة من المؤمنين الذين لهم أحوال خاصّة، وصفات نفسانيّة معيّنة، ومراتب محدّدة؛ غاية الأمر أنّهم يختلفون عن المقرّبين.. حسن جدًّا، فالمقرّبون عدّتهم قليلة ومحدودة، لكنّ هذا لا يُسوّغ لنا إهانة الإنسان وسحقه إذا لم يصر منهم؛ لا، أ فهل نحن أيضًا من المقرّبين؟ أ فهل نحن بدورنا ...؟ لا.
أذكر في أحد الأيّام أنّ المرحوم الوالد كان يتحدّث مع هؤلاء الأفراد بخصوص المسألة ذاتها؛ فرأيته يُحامي بشدّة عن العلاّمة الحلّي رحمة الله تعالى عليه، والمحقّق الحلّي، والشيخ الطوسيّ، وأمثالهم، ويقول لهم: من الذي حافظ على هذا الدين؟ والعديد من هؤلاء العلماء ضحّوا بأرواحهم في سبيل الدين؛ نظير القاضي نور الله التستريّ؛ هل تعلمون ماذا فعلوا به؟ حينما انتبهت جماعة من الهند إلى أنّه شيعيّ، عقدوا العزم على إعدامه، وسعت كافّة القبائل للتبرّك بدمه، والمشاركة في سفك دمه؛ فأخذوا سياطهم الشائكة، وأهووا بها على جسده، إلى أن اختلط لحمه بجلده وعظمه؛ فقد كان علماؤنا بهذا النحو، كما أنّ الشهيد الأوّل أُهرق دمه في سبيل إحياء الدين، وكذلك الشأن بالنسبة للشهيد الثاني؛ فقد ضحّى عظماؤنا بأرواحهم في سبيل الدين، غاية الأمر أنّ بعضهم كانت وفاتهم طبيعيّة، والبعض الآخر... فجميع هذه الأمور محفوظة في مكانها. قال لهم والدي: هل هذه الصلاة التي تُؤدّونها وصلتكم عن طريق مكاشفة، أو منام، أو وحي؟ فمن الذي أبلغكم بها؟ ومن الذي أوصل إليكم هذا الصيام؟ بالتأكيد، أولئك العلماء؛ فصحيح أنّهم ليسوا عرفاء، فليكُن ذلك؛ وصحيح أنّهم ليسوا من أولياء الله تعالى الذين بلغوا الدرجة العليا، فليكونوا كذلك؛ لكن، أولياء الله تعالى بدورهم ليسوا أئمّة، فهل سيُثير ذلك أيّ إشكال؟ فمرتبة الإمام أعلى من الجميع، وينبغي لها أن تكون كذلك. لا يجوز لنا لمجرّد أن يكون أحد العلماء في مرتبة دانية أن نأتي نحن، ونُلغي وجوده من الأساس، ونمحيه، ونقول عنه أنّه مُنَحّى، ومطرود، وملعون، وواقع مثلاً تحت سخط الله تعالى وغضبه؛ فالمسألة ليست بهذا النحو! لقد كان السيّد الخوئيّ رحمة الله تعالى عليه رجلاً فاضلاً، ومن أهل التهجّد؛ ولديّ اطّلاع على أحواله، فقد كانت أعماله لله تعالى، وهذه بأجمعها محفوظة في مكانها الخاصّ؛ لكنّنا في الوقت ذاته لا نستطيع القبول بكلامه عن مسألة العرفان، وإبداء رأيه فيها؛ وهذا أيضًا محفوظ في مكانه الخاصّ. فنحن مطالبون بأن نُقيّم ـ بنظرة وفكر منفتحين ـ نهج كلّ واحد ومدرسته، اعتمادًا على نهج الأئمّة عليهم السلام، بحيث تكون مكانة كلّ واحد ودرجته متوقّفة على مقدار اتّباعه لمدرسة الأئمّة عليهم السلام. فإذا كنّا نعلم بأنّ التحقيق في المسائل العلميّة والمنطقيّة والفلسفيّة من المبادئ المتسالم عليها في مدرسة الإمام الصادق، وأنّه عليه السلام كان يسوق الناس إلى الإسلام عن طريق البيان والمنطق، فكيف نُجيز لأيّ أحد أن يقدح في هذا الأمر بعنوان الدفاع عن مدرسة الإمام الصادق عليه السلام؟ فنحن لا نقبل بذلك بتاتًا؛ وهذه مسألة لا يُمكننا ارتضاؤها أبدًا؛ أجل، يبقى أنّ لكلّ واحد مكانته المحفوظة، وله درجة خاصّة، ومقام معيّن.
