
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
6فهذا هو حال النفوس!
«إنّ هَاهُنا لَعِلْمًا جَمًّا لَو أصبْتُ لَهُ حَمْلاً».۱
من هم حملة علوم الأئمّة عليهم السلام؟
أي: يا ليتني وجدت من يتحمّل هذا العلم لكي أتمّكن من تعليمه إيّاه، والإفصاح له عنه؛ فيكون بمقدوره الاحتفاظ به، والمحافظة عليه. أنا لا أتذكّر بأنّ المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه قد استفاد طيلة عمره من هذه المسائل؛ اللهمّ إلاّ في مورد واحد بحسب ما يبدو لي، حيث كنّا في مشهد، وكنت أبلغ حينئذ الخامسة عشرة من العمر تقريبًا، وكان أخي الصغير السيّد علي حفظه الله تعالى طفلاً في ذلك الوقت، ولعلّ عمره حينئذ كان خمسة سنوات؛ فكان صغيرًا جدًّا، واعتراه ألم شديد في أسنانه؛ فأردنا أن نشتري له دواء مُسكّنًا، إلاّ أنّ الصيدليّات كانت مغلقة، والأطبّاء لم يكونوا موجودين؛ فانتابه ألم شديد لمدّة يوم كامل، وقد بلغ به الأذى إلى درجة أنّ الجميع تقريبًا احتار؛ ففي هذا المورد فقط رأيت العلاّمة رحمة الله تعالى عليه يقول: «يوجد دعاء أعطاني إيّاه السيّد الحدّاد لكي أقرأه في بعض الحالات؛ فلنقرأه الآن، ولنر...»؛ فلمّا انتهى من قراءة الدعاء، سكن ألم أخي نهائيًّا؛ وكأنّه لم يكن؛ فهذا هو كلّ ما رأيته منه؛ هذا، مع أنّه قال بأنّ السيّد الحدّاد أذن له [بالاستفادة من ذلك الدعاء]؛ وقد قام بذلك لأجلنا نحن؛ وأمّا بالنسبة إليه، فدعوني أقول لكم: لقد سبق وأن حصل أمامه مرض أو موت، لكنّه لم يقم بأيّ شيء، وأصيب بعض الناس بأمراض أو ضيق أو شدّة، لكنّه لم يُبد أيّ تصرّف؛ فكلّ ما يأتي على بالكم من المسائل أنا مطّلع بأنّها وقعت له في حياته، لكنّه لم يلجأ للاستفادة من تلك الأمور؛ فهذا هو الذي يُقال له «حَمَلة»٢؛ وهذا هو الذي يُمكننا أن نقول عنه بأنّه محلّ ثقة بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام، بحيث إذا علّمه مسألة، فإنّه يستطيع الاحتفاظ بها والمحافظة عليها؛ وهذا هو واقع الأمر، ومقتضى العدل! أي: ما هو الفارق بين هذا الإنسان [الذي يعلم بهذه المسألة]، بين بقيّة الناس الذين لا يعلمون بها، من حيث نسبة ذلك إلى الله تعالى؟ فالفارق الوحيد بينهما أنّ هذا يعلم، والآخر لا يعلم؛ وحينئذ، هل يقتضي العدل الإلهيّ أن يتسنّى للعالم أن يعمل، بينما يبقى الجاهل في الشقاء؟ فأين هو العدل هنا؟ بمعنى أنّ هذه المسألة غير صحيحة حتّى من الناحية المنطقيّة؛ فلا يصحّ منطقيًّا أن يكون بوسع العالم [بتلك الأمور الخارقة] أن يعمل [بها]، فيستفيد من ذلك ويستمتع به؛ بينما لا يكون بمقدور الجاهل [بها] أن يعمل [بها]؛ فيُبتلى بالآلاف من المصائب والمصاعب؛ فهذا لا يجوز؛ ومن هنا، كان نهج هؤلاء العظماء مطابقًا لنهج الأئمّة عليهم السلام في المحافظة على الشؤون الظاهريّة، وتفويض الأمور لله تعالى.
- بحار الأنوار، ج ٢٣، ص ٤٤.
- المصدر ذاته.
