
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
4ففي هذه الحالة، لماذا لم يسعَ الأئمّة لبيان هذه العلوم للناس؟ ولا يخفى أنّ المسائل المطروحة في هذا الباب كثيرة، ومن بينها أنّ الذي دعا الأئمّة عليهم السلام إلى ذلك ليس هو تعزيز الجانب المعنويّ، وعدم تقوية الجانب الماديّ، ومنع الأذهان عن النزوع نحو المادّة، حيث ينبغي دراسة هذه المسائل في موضعها المناسب؛ لكنّ المسألة المهمّة هنا هي أنّ هذه العلوم ستكون في متناول الجميع؛ فإذا فرضا مثلاً أنّ الإمام الصادق كشف للناس في ذلك العصر عن علم الانشطار الذرّي، فمن هم الأفراد الذين كان سيُلقي عليهم هارون الرشيد القنبلة [الذريّة] أوّلاً؟ كان سيُلقيها على معارضيه؛ أو أنّ هذه العلوم كانت ستبقى مخزونة في المكتبات؛ وحينئذ، ما هي فائدة ذكر الإمام لها؟ وما هو السبب الذي سيدفعه لذكر كلام لَغويّ سيبقى مكنونًا في المكتبات؟ اللهمّ إلاّ أن نقول بأنّه سيُستفاد من هذا العلم؛ لكن، من الذي سيستفيد منه في هذه الحالة؟ هل سيستفيد منه موسى بن جعفر؟ أَ وَهل يُمكن لموسى بن جعفر أن يصنع قنبلة هيدروجينيّة؟ أو قنبلة ذريّة؟ وهل من شأنه مثلاً أن يعمل على نشر الميكروبات والفيروسات؟ وأن يُشيع الوباء بين الناس، ويُمرضهم؟ إذن، من الذي يقوم بذلك؟ واحدٌ نظير صدّام، أو أشباهه هم الذين يقومون بهكذا أفعال؛ ففي نهاية المطاف، لا يُمكن صناعة القنابل الكيميائيّة والذريّة على يد الإمام الصادق، أو سلمان، أو أبي ذرّ؛ فمن الذي يصنعها؟ ومن هذا الذي يأتي ويُسيء استخدام هذه المسألة؟ وحينئذ، إلى ماذا سيؤول الأمر؟ أ لم يعترف بذلك إينشتاين؛ ففي عيد ميلاده، حينما عقدوا مؤتمرًا لتكريمه في أمريكا، كانت أوّل كلمة قالها: «عليّ الاعتراف بكلّ أسف بأنّه آل بي الأمر الآن إلى أن أجد نفسي مجبرًا على القول بأنّني صرت نادمًا على الاكتشاف الذي توصّلت إليه»، حيث إنّ أقصى ما وصل إليه علمه أنّه صار سببًا لتحويل ثلاثمة وستّين ألف إنسان إلى فحم في هيروشيما وناكازاكي! فهذا علم، لكن، يا سيّد إنشتاين، هل كان من المفيد أن تقوم بهذا العمل؟ فمن هم الذي يستفيدون حاليًّا منه في العالم؟ ومن هم الذي يستخدمون هذه القنابل؟ فنرى بأنّ كلّ بلد يسعى لامتلاك هذه التقنية من أجل التغلّب على البلدان الأخرى، حيث نجد بأنّ إسرائيل تُهدّد الدول العربيّة بما يُناهز ثلاثمائة قنبلة ذريّة؛ وفي هذه الحالة، هل يُمكن لأمريكا أن تجعل هذه القنبلة في متناول البلدان العربيّة؟ لا يُمكن؛ هذا، مع أنّها تمتلك بنفسها العديد من الصواريخ ذات الرؤوس المتعدّدة، والتي بلغت وفرتها درجة لم تعُد تعلم أين تُخزّنها؛ وفي هذه الحالة، حينما تُريد دولة في الطرف المقابل من العالم أن تصنعها، تقوم الدنيا ولا تقعد، ويرتفع الصراخ، والتهديد، والاتّهام بنشر [الأسلحة النوويّة]، وأمثال ذلك؛ وهذه هي نتيجة وضع العلم في متناول النفس والجهل؛ وهنا تكمن المشكلة! فالعلم أمر واقعيّ، وله حقيقة؛ والذرّة لها حقيقة وواقعيّة؛ كما أنّ للفيزياء واقعيّة، وللكيمياء واقعيّة؛ فجميع هذه العلوم لها واقعيّة، وليست أمورًا كاذبة، بل هي أمور حقيقيّة، وذات حقيقة خارجيّة؛ لكنّ الكلام هو في كيفيّة الاستفادة من هذه الأمور.
