
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
22هل الانشغال بمسائل العرفان والسير والسلوك مضيعة للوقت؟
ذات يوم، تحدّث المرحوم العلاّمة عن نفس القضيّة التالية التي أريد أن أذكرها لكم، حيث كنّا في منزل الشيخ مطهّري رحمة الله تعالى عليه، فكان يذكرها له؛ هذا، مع أنّني كنت قد سمعتها سابقًا؛ لكنّني أريد أن أبيّنها لكم بهذا النحو؛ فقد ذكرها للعديد من الأشخاص؛ وكانت آخر مرّة سمعتها منه حينما جاءه مجموعة من أحبّائه من أصفهان وشيراز، لكي يلتقوا به، فاجتمعوا في إحدى جلسات مشهد بباحة منزله، وكان ذلك في فصل الصيف، وفي جلسة عصر الجمعة؛ فألقى كلمة في ذلك اليوم لوجود مناسبة خاصّة، إلى أن بلغ به الكلام أن قال: «حينما كنت في النجف، كنت طالب علم من أهل البحث والدرس، حيث كنت معروفًا بهذا الأمر بين الأفراد هناك»؛ فقد كان المرحوم العلاّمة إنسانًا متميّزًا من الناحية الدراسيّة والتحقيقيّة ومشهورًا بذلك؛ إلى درجة أنّ أساتذته حينما كانوا يُريدون تشجيع بقيّة تلامذتهم على الدراسة، فإنّهم كانوا يقولون لهم: «تعلّموا من السيّد محمّد حسين»؛ فهكذا كان شأنه! فكم من مرّة قال السيّد الشاهروديّ أثناء انعقاد الدرس: «إذا أردتم أن تطرحوا إشكالاً، فاطرحوه بنفس طريقة السيّد محمّد حسين»؛ كما كان الشيخ حسين الحلّي، وهو من فطاحل علماء النجف، يعتزّ بوجود المرحوم العلاّمة في جلسة الدرس؛ وحتّى أنّ المرحوم السيّد الخوئيّ قال له ذات مرّة: «يا فلان! إذا أتيت أنت وسماحة آية الله السيستانيّ حفظه الله تعالى فقط ـ وهو لا يزال على قيد الحياة حاليًّا، كما كان مباحثًا للمرحوم العلاّمة ـ ، فإنّني سأعقد لكما درسًا في الفقه»، حيث لم يكن إلى ذلك الحين قد عقد درسًا في الفقه؛ فكان يقتصر على تدريس الأصول؛ ومراده من ذلك أنّ وجودهما يكفي لكي يشرع في تدريس الفقه؛ فقال العلاّمة رحمة الله تعالى عليه: «أنا لم أوافق؛ لأنّني كنت أحضر درس الفقه عند كلّ من السيّد الشاهروديّ والشيخ الحلّي، لكنّ السيّد السيستاني ذهب عنده برفقة بعض المشايخ، فوافق السيّد الخوئيّ على تدريسهم الفقه»؛ فلم يحضر المرحوم العلاّمة درس الفقه عند السيّد الخوئيّ إلى آخر المطاف؛ فهكذا كان وضعه؛ أي أنّه لم يكن يُضيّع وقته. فكان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه يقول: «ذات ليلة، حينما كنّا عائدين من الدرس، دار الحديث عن بعض المسائل، ثمّ انجرّ البحث إلى المسائل العقليّة، وانتهى الكلام»، حيث كان من دأبه وديدنه أن يُرافق السيّد الخوئي إلى باب منزله حينما ينتهي الدرس وتبقى لديه بعض الإشكالات، فيطرحها عليه أثناء الطريق؛ فقال المرحوم العلاّمة: «لقد أتيت عنده، وتابعنا الإشكالات، واستمررنا في الحديث، إلى أن توصّلنا إلى نتيجة معيّنة؛ وفجأة، التفت إليّ السيّد الخوئيّ، وقال لي: يا سيّد محمّد حسين، لا ينبغي على الطالب أن يشغل وقته في هكذا أمور، ويقضيه في المسائل العرفانيّة، والأذكار، وأمثال ذلك، بل عليه أن يقتصر على الدرس؛ وأمّا تلك المسائل، فإنّها ستحصل للإنسان من تلقاء ذاتها؛ هذا، مع أنّنا لا نقدح في عدالة هؤلاء إذا كانوا من أهل العرفان، ولا نُكفّرهم كما يفعل البقيّة، ولا نعتبر ذلك قادحًا في عدالتهم»؛ ومن الجدير بالذكر أنّ البعض فقط قد يلتفت إلى أنّ هذا الكلام كان فيه قدح كبير، وسوف نُبيّن لاحقًا بأنّه كان يذكره للشيخ مطهّري؛ ولو أنّه ذكره أيضًا في ذلك المجلس العامّ؛ إلاّ أنّ استعراضه للتفاصيل تمّ هناك [أي في بيت الشيخ مطهّري]؛ ثمّ قال السيّد الخوئيّ: «لقد كان فلان ـ وذكر اسم أحدهم غير أنّني سأتحاشى ذكره الآن ـ يهتمّ هو أيضًا بهذه المسائل؛ لكن، حينما نهاه أبوه عن الذهاب إلى منزل السيّد القاضي، وتعاطي هذه الأمور، فإنّه أصغى لكلام أبيه، واعتزله، وعاد إلى حيّه»؛ فقال المرحوم العلاّمة: «قلت له: أوّلاً، بالنسبة لقولك إنّ طالب العلم ينبغي عليه الانهماك في دروسه وأبحاثه، أنتم أعلم من الجميع بمقدار اجتهادي وجدّيتي في الدراسة؛ وعلاوةً على ذلك، فإنّني مستعدّ للتباحث معكم أمام الجميع في أيّة مسألة؛ فنأتي مثلاً إلى المسألة الفقهيّة الفرعيّة الفلانيّة؛ كمسألة: هل المتنجِّس الأوّل منجِّس، أم لا؟ وهي من المسائل المشهورة جدًّا، ونمنح لأنفسنا فرصة أسبوع من أجل المطالعة، ثمّ نتباحث فيها أمام الجميع؛ لنرى من سيتغلّب على الآخر»؛ فقال له ذلك بكلّ صراحة.
