
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
14فحينما يصل الإنسان إلى حقيقة ومسألة ما، فإنّه يكون بوسعه التوقّف عندها، وإدراك قيمتها وواقعيّتها؛ لكن، ما إن ينفصل عن تلك الحقيقة، حتّى ينساها، حيث يرجع ذلك إلى سيطرة الأحاسيس؛ أ لا يوجد لدينا بخصوص فرعون: {وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ}۱؟ لكن ما إن أتوا، حتّى {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ}؛٢ فجاؤوا إلى نهر النيل العظيم {حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ}؛٣ فلماذا قال: آمنت؟ لأنّ فرعون له قلب كبقيّة الناس، وله وجدان أيضًا، ومطّلع على الحسن والسيّء معًا، ويشعر كذلك بالألم، ويُحدّد بدوره المنفعة؛ لكن ماذا بعد؟ تأتي الأحاسيس وتصدّه! فيا فرعون، ألم يأتك موسى؟ ألم يجمعك أنت والسحرة؟ لو كنت لا تعلم، لما عذّبك الله تعالى؛ لأنّك ستكون جاهلاً حينذاك؛ إذن، فقد علمت، لكنّك كتمت؛ وبدلاً أن تستسلم للحقّ، فإنّك قلت: «سأعلّقكم على أغصان الشجر، وسأصلبكم!»؛ فقد وقعت حادثة واحدة، وكان لديك وجدان، كما كان لدى السحرة الخبراء بهذه المسائل وجدان أيضًا؛ فكلاكما كان له ضمير وعقل وفكر، وله دماغ، ويتمتّع بصحّة فكريّة، لكنّ كلّ واحد منكما تعامل مع هذه الحادثة بطريقة خاصّة؛ فبينما رجّحت أنت مصالحك الشخصيّة، قاموا هم بترجيح مصلحتهم الأخرويّة، فآمنوا؛ والحال أنّكم استوعبتم كلاكما حقيقة المسألة؛ وإلاّ، لو لم تكن قد استوعبتها، لما كان لله تعالى أيّ شغل معك، حيث سيكون حكمك حكم طفل لا يفهم حقيقة الأمور، وحالك حال أحمق قاصر عن الإدراك؛ أ فهل لله تعالى شأن بالأحمق؟ أو بالمجنون؟ لا، لا شأن له بهما؛ لكنّ له شأن بفرعون؛ لماذا؟ لأنّه يستوعب الأمور، ويفهم المنطق، غير أنّه ماذا يفعل؟ يلجأ للتبرير؛ وعوضًا عن أن يُساند السحرة وينتصر لهم، فإنّه يُهدّدهم.. لماذا تلجأ للتهديد أيّها السيّد؟ سأقتلكم، وأصلبكم، وأذيقكم العلقم! لماذا؟ هل يليق هذا بمن رأى الحقّ؟ أن يقول: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ}؟ حسنًا، تفضّل أنت يا فرعون! فنحن تنحّينا جانبًا، وأظهرنا عجزنا مقابل موسى؛ وقد أُقيمت علينا الحجّة بمقدار فهمنا وفكرنا؛ حسن جدًّا، لقد استسلمنا؛ فإذا كنتم سماحتكم ترون بأنّكم أعلى، فتقدّموا إلى وسط الميدان، وواجهوا موسى بأنفسكم؛ فإذا كنت لا تُريد مواجهته، لماذا تُهدّد؟ ولماذا تقتل؟ ولماذا تقطع ألسنة الجميع؟ لماذا؟ فهذا لا يصحّ؛ لكن ما هو الذي حمله على ذلك؟ لأنّه لم يُبتل بعدُ بالغرق. ترى اليد البيضاء، لكنّك تُنكر؛ وترى معجزات أخرى، لكنّك تُنكر.. لا بأس، أنكرها بأجمعها، لكنّك لا تستطيع الهرب من ضميرك ووجدانك؛ فهو يُرافقك على الدوام؛ كما أنّ عقلك دائمًا معك؛ ولا يُمكنك أيضًا الفرار من حبّك لذاتك؛ لأنّه أمر فطريّ وذاتيّ، وليس عارضًا؛ فيصل إلى موقف، يُدرك فيه بأنّه وقت الغرق، ولا يوجد أيّ مجال للسباحة، ويرى بكلّ وضوح بأنّ موسى يعبر مع قومه النهر بكلّ سهولة، ليصلوا إلى الجانب الآخر؛ وهنا، إذا كنت صادقًا في قولك، اسبح أنت أيضًا؛ لكنّ السباحة لا تنفع في هذا الموقف، حيث جاء جبرائيل ودسّ له حفنة من الطين في فمه، وقال له: «ماذا كنت تفعل إلى اليوم؟» {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}٤؛ فاليوم نأخذك معنا إلى الجانب الآخر من الخطّ، ونُلقي بدنك على الشاطيء، حيث إنّ المراد من البدن ليس هو حقيقة الإنسان.. {نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}نصطحبك معنا؛ لأنّ لنا شغل معك؛ فلقد كانت تلك البداية فقط. فتعال إلى ذلك الجانب؛ فملائكتنا تنتظر قدومك، لتُرحّب بك، وتقوم بواجب الضيافة اللائق بك؛ فما معنى ادّعائك للألوهيّة في هذه الدنيا؟ إنّنا جميعًا بهذا النحو يا عزيزي! فكلّنا فرعون، وكلّ واحد منّا هو في باطنه فرعون، غاية الأمر أنّنا لا ندّعي الألوهيّة؛ لماذا؟ لأنّه لن يقبل منّا ذلك أيّ أحد؛ وإلاّ، لادّعيناها أيضًا! فلو أنّني قلت الآن: أنا إله، لقيل لي: اذهب يا هذا إلى حال سبيلك! أيّ إله أنت! لكن، في حالة ما إذا اقتضت المصلحة ذلك، فإنّك ستجد بأنّه لا فارق أبدًا [بيننا وبين فرعون]؛ غاية الأمر أنّ تلك الألوهيّة كانت تسترقّ الناس، وهذه تعمل بنحو آخر وأسلوب مغاير؛ فترانا نقول: «أنا هو فلان، أنا أمتلك الصفات الكذائيّة، عليكم أن تتّبعوني، لا أحد منكم يتوفّر على العلم»؛ فلو لم يكن هناك إله، لكنّا بنفس ذلك النحو، من دون أيّ فرق. ففي يوم القيامة، لن يُبرزوا للإنسان المظاهر، بل سيُبرزون له الظهور؛ أي سيعرضون له خطًّا مستمرًّا وله صور مختلفة، لكنّه يحكي بأجمعه عن خداع الناس؛ ومن هنا؟ ماذا سيكون حالنا نحن؟ سنكون بأجمعنا شركاء في هذه المسألة لسماحة [فرعون].
- سورة يونس، صدر الآية ٩۰.
- سورة يونس، مقطع من الآية ٩۰.
- سورة يونس، مقطع من الآية ٩۰.
- سورة يونس، صدر الآية ٩٢.
