
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ لإكمال البحث عن مسألة استعمال العلم، سعى رضوان الله تعالى بدايةً للتفريق بين حقيقة العلم وكيفيّة التعاطي معه، ليلج بعد ذلك في البحث عن مسألة استعمال العلم في غير محلّه، وأسباب السقوط فيها، والنتائج الخطيرة المترتّبة عليها؛ مستعرضًا في ضمن ذلك بعض الأبحاث المتفرّعة عن هذه المسألة؛ نظير سبب عدم تعليم الأئمّة عليهم السلام خفايا العلوم لعامّة الناس، وعلّة عدم إرجاع الله تعالى للكفّار والمنافقين إلى الحياة الدنيا.
استعمال العلم في غير محلّه: معناه، أسبابه ونتائجه
12«رَحِمَ اللَهُ امرًا تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ».۱
رحم الله تعالى الذي جلس يُفكّر في أحواله، ويُحاسب نفسه؛ فلا يوجد أيّ أحد لحقه الضرر من مسألة المحاسبة. «تَفَكَّرَ»؛ أي جلس يُفكّر في أحواله وأوضاع، «فَاعْتَبَرَ»؛ فالاعتبار أصله من عَبَر؛ أي أنّه غرس ذلك الأمر في وجوده، ولم يمرّ عليه بكلّ سهولة، بل استحضره في قلبه، واستدعاه في فهمه وإدراكه؛ وحينما اعتبر، «فَأَبْصَرَ»؛ أي أنّه فتح عينيه، ولم يُطبق جفنيه.
«فَكَأنّ ما هُوَ كائِنٌ مِن الدنيا عَن قَليلٍ لَم يكُن».٢
فلم يبق من عمره إلاّ قليل؛ فهذا الذي يبلغ من العمر أربعين سنة، كم بقيت له في هذه الدنيا من سنة؟ عشرين سنة؟ فهل عشرين سنة كثيرة؟ لا يا عزيزي، مجرّد رمشة عين! هل تتذكّرون الآن العشرين سنة الماضية؟ نفس هذه العشرين سنة التي مرّت؟ ألا تقولون: كأنّها مرّت بالأمس؟ أ فهل يوجد فارق بين العشرين سنة الماضية، والعشرين سنة الآتية؟ فهي مثلها؛ وعليه، فإنّ العشرين سنة الآتية ستُصبح مثل الغد؛ فتلك مثل البارحة، وهذه مثل الغد.
«فَكَأنّ ما هُوَ كائِنٌ مِن الدنيا عَن قَليلٍ لَم يكُن».
فإذا كان من المفترض أن يُعمّر الإنسان قليلاً، وتكون هذه المدّة يسيرة، فكأنّها غير موجودة؛ فإذا كان الأمر كذلك، فإنّه لن يكون موجودًا في الغد.
«كأنّ مَا هُو كائنٌ مِنَ الآخِرَةِ عَمّا قَليلٍ لم يزَلْ».
والواقع هو أنّه: كأنّنا سنصل إلى «عمّا قليل» تلك؛ فهذه «عن قليل» كأنّها غير موجودة، وتلك [سنصل إليها] «عمّا قليل» أي الغد، أو بعد الغد، أو بعد يومين سنصل إلى أمر كائن ومتحقّق؛ فكأنّ تلك لم تكن موجودة أبدًا! فلأي شيء يذكر أمير المؤمنين عليه السلام هذه الأمور؟ لأنّه عليه السلام يُريد أن يُقوّي قدرة الإنسان على الفهم، ويُنمّي قوّته العقليّة فيما يرتبط بالحوادث الخارجيّة، وتكيّف الإنسان مع هذه الحوادث، ويُضعّف الجوانب الإحساسيّة والتخيّلية في وجوده.
معنى المراقبة التي يعتقد بها الأولياء
فتعالوا بنا الآن نجعل هذا الأمر مرتكزًا لنا في يوم واحد، ثمّ نُمدّد هذا اليوم إلى يومين، ثمّ إلى ثلاثة أيّام، إلى أن نصل إلى أسبوع واحد؛ ثمّ نرى كيف ستصير أحوالنا؛ فلنجعل أساس حياتنا يتكّئ على العقل لمدّة يوم واحد؛ مع أنّني لا أقصد هنا العقل الكامل، بل فقط التفكّر العقليّ وغير الإحساسيّ؛ فنجعل بأجمعنا ذلك أساسًا لحياتنا.. كلٌّ بحسب بوسعه وطاقته؛ وحينما يأتي الليل، نُخضع الأعمال التي أدّيناها طيلة النهار للحساب، لنرى الفارق بينها وبين أعمال اليوم السابق؛ فإذا كانت أحسن، نستمرّ على ذلك في اليوم اللاحق؛ وإذا كانت هي أيضًا أحسن، نستمرّ على نفس الوتيرة في اليوم الثالث؛ وحينئذ، بعدما سينقضي شهر واحد، سنُدرك التغيير الذي طرأ على أنفسنا؛ وهذا هو المراد من المراقبة. وعليه، فقد اكتشفنا الآن أنّ المراقبة التي يتحدّث عنها الأولياء وعظماء أهل السلوك هي الخضوع للقوّة العقليّة، وانتهاج مسلك العقلانيّة؛ فلنفرض مثلاً أنّ تريد أن تشتري بضاعة، فمن أيّ واحد تشتريها؟ فمن أين تشتري الخضار أو الفواكه؟ من هذا البائع، أم من ذاك؟ عليك أن ترى أيّهما أكثر حاجة، لا أن تنظر إلى أنّ هذا أقرب، والآخر أبعد؛ هذا، مع أنّه إذا كان ذاك أبعد، فإنّك ستضطرّ للمشي قليلاً؛ وقد أوصى السادة الأطبّاء الإنسانَ بالمشي لأجل صحّته؛ كما أنّهم أوصونني بذلك كثيرًا؛ لكنّني لم أوُفّق إليه للأسف.
- نهج البلاغة، ص ۱٤۸.
- المصدر نفسه.
