
أهمّية استعمال العلم وكيفيّته
هل توجد ضرورة لاستعمال العلم؟ وإذا كانت هناك ضرورة لاستعماله، كيف يُمكن تحقيق ذلك؟ هل يُمكن للإنسان تتبّع الآخرين، أم ينبغي عليه حصر الاهتمام بنفسه؟ ما هو سبب غفلة الإنسان عن الحقائق؟ هل يكفي مجرّد الادّعاء في السير والسلوك؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرة «واطْلُبِ العِلمَ بِاستِعمالِه» من رواية عنوان البصريّ الشريفة؛ في ضمن حديثه عن بعض المسائل المهمّة الأخرى.
أهمّية استعمال العلم وكيفيّته
5كيفيّة استعمال العلم
وعليه، كيف يتسنّى للإنسان استعمال هذا العلم؟ إنّ العمل بمفاد هذا العلم هو المراد للإمام عليه السلام؛ فبعدما تمكّنا من الوصول إلى هذا العلم، وإلى كلام الإمام عليه السلام، هل نبقى مكتوفي الأيدي؟ أم، لا، بحيث يتوجّب علينا ترجمة كلّ حرف من هذا الكلام عمليًّا؟ ولقد بيّنا في الجلسة السابقة أنّ البعض لا يقتصرون على عدم الأخذ بالعلم، بل يتعدّون ذلك إلى استخدامه في الجهة المعاكسة؛ فتجد أحدهم يدرس الهندسة المعماريّة لعدّة سنوات، لكن، حينما يلجأ إليه أحد الناس ليبني له بيتًا متماسكًا ويُوفّر له ظروف عيش مناسبة، فإنّه يُشيّده بطريقة تُهدّد سكّانه والناس بخطر محدق؛ فما هي حقيقة هذا الأمر؟ إنّه عمل بطريقة معاكسة! وكذلك أن يأتي الإنسان، ويدرس [الطبّ] لعدّة سنوات، لكنّه يستخدم هذا العلم في أمر يُفضي إلى هلاك الناس، عوض استعماله فيما يُفيدهم؛ فهذا مخالف للعمل بالعلم؛ لماذا؟ لأنّ علم الطبّ يسوق الإنسان للصحّة والسلامة، وليس للمرض والهلاك! فهل يوجد في الكتب الطبّية أنّه متى ما أراد الإنسان أن يُصبح طبيبًا، فإنّ عليه أن يسعى لكي يُحوّل المرض إلى صحّة، أو يوجد فيها أنّه عليه أن يُحوّل الصحّة إلى مرض؟ أيّهما يوجد فيها؟ إنّ معرفة الله تعالى ومعرفة التوحيد والأسماء والصفات الإلهيّة تصبو كلّها لإصلاح النفس، وتبديل الصفات الإنسان الحيوانيّة إلى صفات رحمانيّة؛ ففي هذه الحالة، إذا استعمل أحدهم هذه العلوم في تحويل الصفات الإنسانيّة إلى صفات حيوانيّة، فماذا سيكون ذلك؟ سيكون عملاً معاكسًا. فإذا عمد الإنسان بواسطة ذلك التبدّل إلى إهدار المقدار اليسير الذي يمتلكه من الإنصاف والوجدان، فماذا سيكون ذلك؟ سيكون عبارة عن استعمال للعلم في الجهة المعاكسة؛ وبالتالي، لن يكون ذلك استعمالاً [صحيحًا] للعلم، ولن يكون طلبًا [صحيحًا] للعلم.
إذا تذكّر الأصدقاء، تحدّثنا في الجلسة السابقة قليلاً عن الرسالة الشريفة التي بعثها عليّ بن الحسين عليهما السلام إلى محمّد بن مسلم الزهريّ؛ وسنسعى لتناول قسم آخر منها هذه الليلة؛ على أن نترك بقيّتها لمناسبات قادمة.
تتمّة رسالة الإمام السجّاد عليه السلام لمحمد بن مسلم الزهريّ
