
صفات الإنسان الباطنيّة ودورها في تحديد سلوكه
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ استمرارًا لشرح فقرة «فَإنْ أرَدتَ العِلمَ، فَاطْلُبْ أوّلاً في نَفسِكَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تابع سماحته الحديث عن أهمّية التحقّق بالعبوديّة قبل طلب العلم؛ مشيرًا في ضمن ذلك إلى أنّ أعمال الإنسان الحسنة أو السيّئة ترجع إلى صفاته الحميدة والدنيئة، وإلى خطورة عدم الانتباه إلى هذه الصفات، والتي لها القدرة على تغيير مصير الإنسان الذي يجده نفسه فجأةً يقف في صفّ الظالمين، ومواجهة الحقّ والدين.
صفات الإنسان الباطنيّة ودورها في تحديد سلوكه
3إنّ الذين يقولون بضرورة أن يطلب الإنسان العلم أوّلاً، ثمّ يسعى بعد ذلك إلى التهذيب والتزكية شأنهم شأن ذلك الشخص الذي يركب سيّارة، من دون أن يهتمّ بالطريق الذي ستسلكه؛ ففي هذه الحالة، قد توصله هذه السيّارة إلى الهدف المنشود، أو لا؛ فذلك بيد الله تعالى! لماذا؟ لأنّ النفس تتّصف بصفات رذيلة قد تُسقط الإنسان في نتائج غير مرغوبة ولا رجعة فيها؛ وذلك بحسب الظروف التي تتناسب معها. وقد أشرت في الجلسة السابقة إلى أنّ النفس تمتلك صفات خفيّة ومستترة حتّى عن صاحبها، بحيث متى ما توفّرت الظروف المناسبة، فإنّ هذه الصفات تبرز، وتتجلّى في مظاهر وقوالب مختلفة، وتكشف عن نفسها؛ فهذا هو حال النفس! ففي البداية، تجد بأنّ الإنسان يتعامل مع المسألة بنحو معيّن، ويُبرز استنكافه تجاهها:
ـ يا سيّدي! اقبل بهذه المسألة!
ـ لا، إنّها مخالفة لرضى الله تعالى.
ـ أيّها السيّد! تعال، وقم بهذا الأمر.
ـ لا، أنا أشكّ في صحّة هذا الطريق، أو سُقمه.
لكن، ما إن يُقدم عليه، وتمرّ فترة من الزمان، حتّى تُودع جميع تلك المسائل والأدلّة السابقة في ملفّ النسيان، ويتحوّل ذلك الإنسان إلى شخص يقبل بذلك الطريق وتلك الظروف تمامًا، بل ويُصبح من المدافعين عنها، ومن "أعيانها"۱ الحقيقيّين، بحيث لا يعُد بإمكانه التخلّي عنها بتاتًا.
كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه يقول: «إنّ الذين لا ارتباط لهم بمقام الولاية إذا تقلّدوا بعض المناصب ذات المظهر الدنيويّ الخدّاع، فإنّهم يكونون في البداية من أعوان الظلمة، ثمّ يتحوّلون بعد ذلك إلى "أعيان الظلمة"٢». فتجد السيّد الفلانيّ الذي أتى سابقًا، وكان له منهج فكريّ معيّن، وموقف خاصّ من أحد التيّارات، بعدما مرّت سنتان، إذا به يتغيّر، ومواقفه تتبدّل؛ فما الذي حصل يا سيّدي؟! فأنت بنفسك كنت تُحدّثنا بعين هذه الكلمات وهذه المسائل [التي تُخالف ذلك التيّار]! فنجده الآن يطرح تلك المسائل بصورة باهتة، ونرى بأنّ تلك الحماسة والشدّة التي كان يُبديها سابقًا تجاهها لم تعُد الآن موجودة، فصار يطرح القضايا بطريقة ليّنة مقترنة بنوع من التردّد؛ وبعد انقضاء فترة من الزمان، نجده ينهض للدفاع عن مبادئه ومواقفه الشخصيّة [والتي أصبحت منسجمة مع ذلك التيّار]؛ ثمّ بعدما تمرّ فترة أخرى، نراه لا يسمح أبدًا لأيّ أحد حتّى بالكلام؛ بمعنى أنّ المسألة تصير راسخة وواضحة بالنسبة إليه، وبالنسبة للجميع، إلى درجة أنّه يُصبح وكأنّه أحد أفراد ذلك التيّار، وأركانه.
- سوف يأتي مراد سماحته من هذا الاصطلاح في الفقرة الآتية. المعرّب
- الأعيان جمع عين، وهو مشترك لفظيّ له عدّ معانٍ؛ وعليه، قد يكون مراد سماحته (قدّس الله نفسه الزكيّة) من أعيان الظلمة: سادتهم وأشرافهم، وقد يكون مراده من عين الظلمة: نفس الظلمة. المعرّب
