
صفات الإنسان الباطنيّة ودورها في تحديد سلوكه
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ استمرارًا لشرح فقرة «فَإنْ أرَدتَ العِلمَ، فَاطْلُبْ أوّلاً في نَفسِكَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تابع سماحته الحديث عن أهمّية التحقّق بالعبوديّة قبل طلب العلم؛ مشيرًا في ضمن ذلك إلى أنّ أعمال الإنسان الحسنة أو السيّئة ترجع إلى صفاته الحميدة والدنيئة، وإلى خطورة عدم الانتباه إلى هذه الصفات، والتي لها القدرة على تغيير مصير الإنسان الذي يجده نفسه فجأةً يقف في صفّ الظالمين، ومواجهة الحقّ والدين.
صفات الإنسان الباطنيّة ودورها في تحديد سلوكه
15حينما جاء هشام عند طاووس، وقال له: «هل تُريد منّي شيئًا؟»، قال له طاووس: «من يكون من أهل الآخرة لا يجئ عندك، ومن يكون من أهل الدنيا لا ينبغي لك أن تجئ عنده، بل عليه هو أن يأتي عندك؛ فأنت الذي أتيت عندي؛ فلو كنتُ من أهل الدنيا، لقمت من مكاني، وجئت بنفسي عندك؛ ولما قلت لك تعالَ أنت عندي؛ كما أنّ الذي يكون من أهل الآخرة لا يأتي عندك»؛ فقال له ذلك، وحمل نعليه، وغادر المكان سريعًا، حتّى لا يُمسكوا به؛ أي أنّه فرّ من المسجد الحرام إلى الخارج؛ ولا يخفى أنّني لا أقصد هنا أنّه فرّ حقيقةً، بل كان يُريد أن يتخلّص من هشام حتّى لا يخدعه؛ وخلاصة القول أنّه كان يُريد الذهاب للاهتمام بأشغاله و... .
فتلك الشخصيّات [كالزهريّ مثلاً] هي التي قال عنها الإمام عليه السلام: «بواسطتها تمكّن بنو أمّية من الحكم؛ فشهروا السيوف في وجوهنا، وعملوا على خلاف سنّة رسول الله».
«وَسَهَّلتَ لَهُ طَرِيقَ الغَيِّ بِدُنُوِّكَ مِنهُ حينَ دَنَوْتَ، وَإجَابَتِكَ لَهُ حينَ دُعيتَ».
«فَمَا أخْوَفَني أنْ تَكونَ تَبوءَ بِإثْمِكَ غَدًا مَعَ الْخَوَنَة».
ويحضر معنا الآن مولانا المكرّم وصديقنا المعظّم سماحة السيّد الحاجّ جلال؛ ففي أحد الأيّام، جاء عند العلاّمة رحمة الله تعالى عليه في زمان الشاه، وكنت أنا أيضًا هناك، فجرى الحديث عن إحدى الشخصيّات من أصحاب المناصب في ذلك العهد، وأنّه كان يُقيم في بيته مجالس العزاء؛ لكن، لا يصحّ أن آتي على ذكر اسمه الآن؛ فالتفت الحاجّ السيّد جلال سلّمه الله تعالى إلى المرحوم العلاّمة، وقال له: «يا سيّدي! إنّ ذلك الرجل من أهل الحجّ والصلاة، ويعقد في بيته مجالس العزاء»؛ ويبدو أنّه كان أحيانًا يذهب بدوره إلى بيته لقراءة العزاء؛ وكذلك الكثير من العلماء؛ لكن، يبقى أنّ هذا حدث في بدايات ارتباطه بالمرحوم العلاّمة، حيث لم تكن مرّت عدّة شهور على هذا الكلام من بداية علاقته به. وفي ضمن كلامه، قال: «إنّ ذلك الرجل كان يحظى بثقة النظام الحاكم»؛ ولو ذكرت اسمه، قد يتعرّف عليه جميع الأصدقاء، حيث كان يحتلّ مسؤوليّة في الجيش على عهد الشاه؛ أي أنّه كان فريقًا في الجيش، وكان بيته محلاً لإقامة مجالس العزاء؛ فكان أهل العلم يتردّدون عليه؛ إذ كان ذلك البيت محلاًّ للفصل في الأمور أحيانًا، وكانت تنحلّ فيه بعض المشاكل؛ وعلى أيّ تقدير، فقد كان تردّدهم على ذلك المكان مفيدًا بالنسبة إليهم، وجُعل الإمام الحسين عليه السلام هنا كبش فداء! لكن، دعونا من هذا الحديث الآن. فما إن تحدّث بذلك الكلام، حتّى قال له العلاّمة رحمة الله تعالى عليه: «أمينُ الْخائِنِ خَائِنٌ»؛ هل تذكرون يا حاجّ جلال؟ «أمينُ الْخائِنِ خَائِنٌ»؛ ثمّ إنّه انقطع عن الحضور هناك.
