
صفات الإنسان الباطنيّة ودورها في تحديد سلوكه
في هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ استمرارًا لشرح فقرة «فَإنْ أرَدتَ العِلمَ، فَاطْلُبْ أوّلاً في نَفسِكَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ» من حديث عنوان البصريّ الشريف، تابع سماحته الحديث عن أهمّية التحقّق بالعبوديّة قبل طلب العلم؛ مشيرًا في ضمن ذلك إلى أنّ أعمال الإنسان الحسنة أو السيّئة ترجع إلى صفاته الحميدة والدنيئة، وإلى خطورة عدم الانتباه إلى هذه الصفات، والتي لها القدرة على تغيير مصير الإنسان الذي يجده نفسه فجأةً يقف في صفّ الظالمين، ومواجهة الحقّ والدين.
صفات الإنسان الباطنيّة ودورها في تحديد سلوكه
11«فَقَد أصبَحْتَ بِحالٍ ينبَغي لِمَن عَرَفَكَ بِها أنْ يرحَمَكَ [لأنّك في وضعيّة غير لائقة]»
«فَقَدْ أثْقَلَتْكَ نِعَمُ اللَهُ بِمَا أصَحَّ مِن بَدَنِكَ وأطالَ مِن عُمرِكَ وقامَتْ عَليكَ حُجَجُ اللَهُ بِمَا حَمَّلَكَ مِن كِتابِهِ، وَفَقَّهَكَ فِيهِ مِن دِينِهِ، وعَرَّفَكَ مِن سُنَّه نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيه وآلِه»؛ فهذه الأمور يعترف الإمام السجّاد عليه السلام بتحقّقها في محمّد بن مسلم بن شهاب الزهريّ؛ ممّا يعني أنّه لم يكن رجلاً عاديًّا.
«وَعَرَّفَكَ مِنْ سُنَّة نَبِيِّهِ»
فنحن نظنّ بأنّ ما حصلنا عليه قد أتينا به من عند أنفسنا؛ فهذه العلوم التي نلناها الآن، وصرنا نفخر بها على الناس، من أين جاءتنا؟ لقد كانت مسطّرة في هذه الكتب الموجودة بين أيدينا الآن، والتي لولاها، لما توصّلنا إلى هذه المسائل؛ فلو أنّ الباري عزّ وجلّ لم يمنحنا الصحّة والعافية، هل كنّا سنصل إليها؟ ولو أنّه تعالى لم يُهيّء لنا الظروف المواتية للتعليم، هل كنّا سنظفر بها؟ فهل فكّرنا في هذه الأمور؟ فلولا أنّ نعم الله تعالى قد غمرتنا، لما استطعنا احتلال هذه المكانة التي تُمكّننا من إساءة الاستفادة من شوق الناس إلينا ورغبتهم فينا واهتمامهم بنا. فجميع ذلك حصل بواسطة النعم الإلهيّة، حيث وهبنا الله تعالى الصحّة والعافية، فصرنا قادرين على الدراسة، والمباحثة، والمطالعة؛ ومنحنا القابليّة والاستعداد، والذاكرة القويّة، والظروف المناسبة، والمعلّم، والأرزاق؛ فهذه بأجمعها ظروفٌ هيّأها لنا الباري عزّ وجلّ؛ مع أنّ هذه المسألة تصدق على الجميع.. كلٌّ بحسب ظروفه، حيث تصدق على أهل العلم بحسب ظروفهم الخاصّة، كما تصدق على غيرهم بنفس ذلك النحو، ومن دون أيّ فارق. ففي هذا المقام، يُريد الإمام عليه السلام أن يُلفت نظر محمّد بن مسلم بن شهاب الزهريّ إلى هذه المسألة: لقد وصلت إلى هذه المكانة بواسطة النعم الإلهيّة؛ فهل يصحّ أن تذهب عند بني أمّية، وتُبرّر لهم أفعالهم؟ وصرت متفقّهًا في الدين بالاستعانة بالكتاب الإلهيّ الذي أنزله الباري تعالى على نبيّه؛ فهل يجوز ـ والحال هذه ـ أن تطعن الرسول بنفس هذا الكتاب؟ وبلغت هذا المقام بالاعتماد على سنّة النبيّ وكلماته المنقولة عنه، والتي حفظتها وتأمّلت فيها؛ فهل من اللائق أن تلجأ إلى بني أمّية الذين يسفكون دماء أبناء هذا النبيّ، وتُقدّم لهم التبريرات والتأويلات؟ لاحظوا كم هو قبيح ووقيح هذا التصرّف! وذلك بأن يعمد الإنسان إلى الاستعانة بنفس هذا النعم... أفلن يُعدّ هذا العمل حينئذ إعراضًا عن وليّ النعمة؟ ومن هو وليّ نعمتنا؟ إنّهم المعصومون الأربعة عشر. فإذا جئنا، واكتسبنا المسائل الواردة عنهم، واستفدنا منها لاحتلال مكانة علميّة؛ ثمّ لجأنا بعد ذلك إلى خدمة أعدائهم، وسعينا إلى تبرير أفعالهم الدنيئة بواسطة نفس تلك المسائل، فإنّ ذلك سيُعدّ إعراضًا عن وليّ النعمة.
