
حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها
ما هو السبب في خفاء حقيقة العبوديّة؟ ما معنى أنّ السالك لا يُذنب؟ كيف يُمكن للإنسان التحقّق بحقيقة العبوديّة؟ ما هو الملاك في موافقة الأفعال أو مخالفتها لحقيقة العبوديّة؟ وما هي الآثار السلبيّة لعدم التحقّق بحقيقة العبوديّة؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتتمّة شرح فقرة فَإنْ أرَدتَ العِلمَ فَاطْلُبْ أوّلًا فى نَفسِكَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ من حديث عنوان البصريّ الشريف؛ مستشهدًا في ضمن ذلك ببعض القصص الشيّقة عن المعصومين عليهم السلام والأولياء رضوان الله تعالى عليهم.
حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها
3وأمّا بالنسبة للعبارة الأولى، فإنّ الإمام الصادق عليه السلام يقول فيها: «اسع أوّلاً نحو عبوديّتك المنشودة والمفقودة، ولا يكن كدّك من دون طائل، ولا تأت عندي عبثًا، ولا تهدر لي وقتي»؛ فهذا ما يقوله الإمام؛ غاية الأمر أنّ ذلك بلسان حاله.. أ فلم تطرق أسماعكم لحدّ الآن عبارة "لسان الحال"؟ فهذا هو لسان حاله: اذهب أوّلاً، وانظر هل أنت عبد أم مولى؟ هل أنت حرّ أم عبد؟ وبعد ذلك، تعال عند الإمام موسى بن جعفر عليه السلام؛ والذي سأل بِشر الحافي: أ أنت عبد أم حرّ؟ إذا كنت حرًّا، فلا كلام لنا معك؛ وأمّا إذا كنت عبدًا، فإنّ هذا ليس هو فعل العبيد؛ وذلك بأن يرى الإنسان بأنّ لغير الله تعالى دخالة في المسائل التي تقع له؛ أجل، يبقى أنّ لهذا التدخّل مراتب مختلفة شدّةً وضعفًا؛ ولهذا، قد ينظر الإنسان أحيانًا لأحد الأفراد كواسطة، وأنّ إرادة الله تعالى ومشيئته تعلّقتا بتنزّل فيضه عن طريق هذه الواسطة، حيث لن يوجد هنا أيّ إشكال.
حقيقة العبوديّة بين النظرتين المرآتيّة والاستقلاليّة
حينما كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه في مستشفى القائم بمشهد من أجل إجراء عمليّة المرارة على ما يبدو لي، كان هناك أحد الأطبّاء الذين اشتدّت بعد ذلك أواصر مودّتهم به؛ وقد كان رجلاً محترمًا وشريفًا، وحافظ على علاقته بالمرحوم العلاّمة، وكان يأتي عنده كلّ يوم؛ وفي الحقيقة، فقد كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه في البداية تحت إشراف هذا الطبيب؛ لكن، بعدما آلت حالته إلى إجراء عمليّة جراحيّة، فقد أصبح علاجه على عاتق سماحة الدكتور توسّلي؛ إذ قبل إجراءات الكشف والفحص والتحاليل، كان هو الذي يقوم بالفحوصات الداخليّة، واسمه سماحة الدكتور منوشهر لاري، ويعمل في مستشفى القائم بمشهد؛ وهو إنسان منظّم جدًّا، وذو غيرة وحماسة، وكان محبًّا كثيرًا [للمرحوم العلاّمة]. ففي أحد الأيّام، التقيت به، فبدأ يُحدّثني فجأة بمسألة حصلت معه، أو مع أحد الأطبّاء الآخرين؛ والظاهر أنّها وقعت لغيره؛ وأنّه كان يشعر بأنّ الله تعالى قد أبقاه على قيد الحياة لأجل خدمة الناس، حيث وقعت على ما يبدو حادثة لأحد أصدقائه؛ فكان يقول إمّا هو أو صديقه، والترديد منّي أنا: «لقد شملني الله تعالى في هذه الحادثة بلطفه وعنايته، وأبقاني على قيد الحياة، حتّى أخدم الناس».. تذكّرت الآن، وأصحّح كلامي! حيث إنّ هذه المسألة لم تكن متعلّقة به هو؛ فقد تحدّث عن قضيّة مشابهة، وأخطأت أنا في بيان مصداقها؛ وتتعلّق هذه القضيّة بطبيب كان يذهب إليه العلاّمة رحمة الله تعالى عليه في طهران اسمه الدكتور ناصر اتّفاق؛ وقد كنت بدوري أرجع إليه؛ ففي السبع أو الثماني سنوات الأخيرة، كان المرحوم العلاّمة يتردّد عليه؛ وهو نفس ذلك الطبيب المشهور الذي انتقل إلى جوار ربّه على ما يبدو؛ فكان يحكي بنفسه عن مسألة حصلت له، ويقول: «لقد أحسست بأنّ الله تعالى أبقاني على قيد الحياة لأجل مساعدة الناس وخدمتهم».
