
حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها
ما هو السبب في خفاء حقيقة العبوديّة؟ ما معنى أنّ السالك لا يُذنب؟ كيف يُمكن للإنسان التحقّق بحقيقة العبوديّة؟ ما هو الملاك في موافقة الأفعال أو مخالفتها لحقيقة العبوديّة؟ وما هي الآثار السلبيّة لعدم التحقّق بحقيقة العبوديّة؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتتمّة شرح فقرة فَإنْ أرَدتَ العِلمَ فَاطْلُبْ أوّلًا فى نَفسِكَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ من حديث عنوان البصريّ الشريف؛ مستشهدًا في ضمن ذلك ببعض القصص الشيّقة عن المعصومين عليهم السلام والأولياء رضوان الله تعالى عليهم.
حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها
9ـ أيّها السيّد، قم بهذا العمل!
ـ ما هو الدليل على ذلك؟
ـ أيّها السيّد، قم بذلك العمل!
ـ ما هو الداعي إلى ذلك؟
ـ أيّها السيّد، قم بذاك العمل!
ـ هل يُمكنني القيام بغيره؟
ـ أيّها السيّد، قم بهذا العمل!
ـ هل يجوز لي القيام بهذا أيضًا؟
ـ أيّها السيّد، ....
إنّك تعترض على كلّ ما يُقال لك؛ ولهذا، فلن تحصل على أيّة نتيجة؛ فطبقًا لما جرّبناه، وذكره لنا العظماء، وكتبوه بأنفسهم، فإنّ هذا الأسلوب في التعاطي لن يُثمر أبدًا؛ لماذا؟ لأنّ العلم [هنا] علم إلهيّ، والسلوك سلوك إلهيّ؛ والسلوك الإلهيّ لا ينسجم مع هذا الأمر، ولا يتوافق مع «إن قلتَ، قلتُ»؛ والأمر الآخر أنّه ليست كلّ نفس لها الاستعداد لهضم جميع المسائل دفعةً واحدة، بل إنّ هذه المسائل تتّضح لديها بالتدريج؛ ونرى بأنّ الإنسان يصل إلى العلم بالملاكات والمصالح والمفاسد تدريجيًّا، لا دفعة واحدة. وقد ذكرت للأصدقاء والأحبّاء بأنّ حالة التجرّد النفسانيّ التي يلزم منها نيل الإدراكات الكلّية وكشف الحُجب لا تحصل في لحظة واحدة، بل بالتدريج؛ ولهذا، اعتبر كافّة العظماء أنّ أوّل شرط للسلوك هي العبوديّة؛ أجل، كانوا يأتون، ويتحدّثون، ويقومون ويقعدون، ويعقدون الجلسات، لكنّ النتيجة المتوخّاة لا تحصل بدون تحقّق تلك المسألة [أي العبوديّة].
في أحد الأيّام، قال المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله تعالى عليه: «كان أحد علماء النجف في سفر برفقة مجموعة من علماء إيران وبعض أصدقائه، حيث كان يُسافرون في الماضي بواسطة المحامل والهوادج، وينتقلون من مكان إلى مكان آخر؛ ووسط الطريق، توقّفوا للاستراحة، وحطّوا رحالهم بالليل في أحد المنازل، لكي يُعاودوا المسير في الصباح. وكان مُكاري تلك القافلة والمسؤول عن أمور الحمل والنقل ورعاية الدوابّ رجلاً عاديًّا، فلم يُعجب به ذلك العالم كثيرًا منذ البداية لِما رأى فيه من جرأة على المعاصي والذنوب؛ لكن، حينما كان منهمكًا في الحديث، رأى بأنّ ذلك المُكاري قد أتى بدوره، وجلس بينهم، وطرح سؤالاً معيّنًا؛ فلم يُجبه العالم بتاتًا، إلى أن مرّت فترة من الزمان، فأعطاه جوابًا، غير أنّ المكاري أشكل عليه، فأجابه العالم، ثمّ أشكل عليه المكاري مرّة أخرى، فاندلع بينهما النقاش، إلى أن وصل الأمر إلى عجز العالم عن الردّ على المكاري؛ ولمّا رأى بأنّ الأوضاع صارت مزرية، بدأ بالحديث عن بعض المسائل [الهامشيّة]، وقال: «ائتوني بذلك الشيء، خذوا ذلك الشيء!»، فأوقع الفوضى بالاجتماع؛ لأنّه رأى بأنّ الأمر قد ساء كثيرًا. فانقضت مدّة من الزمان، وإذا بذلك المكاري يطرح مجدّدًا سؤالاً آخر في النحو، فبدآ يتبادلان الأسئلة والأجوبة شيئًا فشيئًا، إلى أن صار العالم عاجزًا عن الردّ؛ ليشرع [في التهرّب]، والقول: «خذوا هذا، ائتوا بذاك! ماذا فعلتم بهذا الشيء؟ وذلك الشي...»؛ فأثار الفوضى؛ ومرّة أخرى، انقضت فترة من الوقت، فأثار المكاري تساؤلاً فقهيًّا؛ وحينما رأى ذلك العالم بأنّه لا يتنازل؛ وكأنّه يُريد أن يُريق ماء وجهه أمام أصدقائه ومحبّيه، فإنّه قام من المجلس، وتخلّى عن المسألة بالكلّية، وذهب، وقال: «لقد تعبت!»، وأمثال ذلك؛ وبعد ذلك، التفت إلينا السيّد الحدّاد، وقال: «انظروا! حينما لا يكون هذا العلم مقترنًا بالعبوديّة، فإنّه ينتهي بصاحبه إلى هذه العاقبة».
