
حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها
ما هو السبب في خفاء حقيقة العبوديّة؟ ما معنى أنّ السالك لا يُذنب؟ كيف يُمكن للإنسان التحقّق بحقيقة العبوديّة؟ ما هو الملاك في موافقة الأفعال أو مخالفتها لحقيقة العبوديّة؟ وما هي الآثار السلبيّة لعدم التحقّق بحقيقة العبوديّة؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لتتمّة شرح فقرة فَإنْ أرَدتَ العِلمَ فَاطْلُبْ أوّلًا فى نَفسِكَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ من حديث عنوان البصريّ الشريف؛ مستشهدًا في ضمن ذلك ببعض القصص الشيّقة عن المعصومين عليهم السلام والأولياء رضوان الله تعالى عليهم.
حقيقة العبوديّة وكيفيّة تحقّق الإنسان بها
4كنت في المستشفى في محضر العلاّمة رحمة الله تعالى عليه أثناء مرضه الأخير الذي أصاب مرارته، فقال لي يومًا: «يا فلان! يا سيّد محسن! هل تتذكّر حينما ذهبنا في أحد الأيّام إلى الدكتور اتّفاق، وحكى لنا تلك القصّة، وأنّه كان يعتقد برحيله عن هذا العالم، لكن حصل بداء في الأمر؟ فبرأيك، هل هذا الكلام صحيح أم لا؟»؛ حسنًا، فأحيانًا، كان العلاّمة رحمة الله تعالى عليه يمتحننا نحن والرفقاء والأصدقاء جميعًا؛ كأن يذكر عبارة مثلاً، ويقول لنا: «فسّروها، واكتشفوا مواضع الخطأ والصحّة فيها، وحدّدوا نقاط قوّتها وضعفها، و...»؛ فلم أُجبه؛ أي أنّني صبرت، لكي يجيب هو؛ فقال: يُمكن تفسير تلك العبارة بطريقتين ـ وهنا عليكم أن تُدقّقوا كثيرًا في هذا الكلام ـ : الأولى، أن يكون ذلك الطبيب معتقدًا حين التلفّظ بها أنّ له "محلّ من الإعراب"؛ إذ له في جميع الأحوال مكانة خاصّة بالنسبة إلى نفسه؛ فهو صاحب تخصّص، وله وقعٌ ووزنٌ خاصّ [في المجتمع]؛ فإذا كان يشعر في نفسه بهذا الأمر، وبأنّ العديد من شؤون البلد سوف تتعطّل إن قبض الله تعالى روحه؛ أي: إذا كان يرى لنفسه وشخصيّته هذه المكانة، فإنّ ذلك خاطئ تمامًا؛ ولو أنّه قد ينسب حياته وبقاءه إلى الله تعالى، ويُضفي على ذلك صبغة إلهيّة، لكي يتمكّن من طرح هذه المسألة بنحو مناسب من الناحيتين الوجدانيّة والشرعيّة، ومن ناحية علاقته مع الناس؛ فبمقتضى الأدلّة، لا يحتاج بيان خطأ هذه المسألة لأيّ شرح أو تفصيل أبدًا؛ وإلاّ، فما معنى: «نحن الآن موجودون، وإذا مُتنا، ستختلف الأمور، وتتغيّر المسائل، وتتعطّل شؤون العالم»؟! لا، هذا غير صحيح بتاتًا! فالآلاف من الناس رحلوا، وحلّت محلّهم ألوف أخرى من دون أن يحصل أيّ شيء، أو تحدث أيّة مشكلة؛ فهنا، نُلاحظ أنّ الرؤية محفوفة بالكثرة، وأنّها رؤية تنصبّ على الذات والكثرة. وأمّا إذا كان مراده من ذلك الكلام أنّه ـ في جميع الأحوال ـ عبارة عن أحد الوسائط الإلهيّة؛ ففي نهاية المطاف، حينما يُريد الله تعالى أن يُظهر لطفه وإنعامه في هذا العالم، فإنّه ينزّل هذا اللطف عبر وسائط؛ ومن هنا، فإنّ إرادة الله تعالى ومشيئته تعلّقتا ببقائه على قيد الحياة من باب المرآتيّة والوساطة؛ ففي هذه الحالة، لن يوجد أيّ إشكال، بل هو أمر جيّد، ومستحسن جدًّا، وفي محلّه، ولا يتعارض مع التوحيد والعرفان.. انظروا! إذا تغيّرت المسألة ولو بمقدار قليل، فإنّها تُصبح شركًا، وفي جانبها الآخر، تكون توحيدًا.
