
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
من أيّ مقام تصدر كافّة العلوم الإلهيّة وغيرها؟ كيف تتعاطى النفس مع العلم حينما تتلقّاه؟ ما هو معنى العلم غير النافع في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ما هي الجرائم التي قد تُرتكب نتيجة للعلم الخالي من التهذيب؟ وما هو دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه الجلسة التاسعة والعشرين التي عقدها لشرح حديث عنوان البصريّ؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القصص والنماذج الفريدة في هذا المجال.
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
3صدور كافّة العلوم من الأسماء الإلهيّة الكلّية واسم الله العليم
لا ريب في أنّه بمقتضى قاعدة تنزّل مراتب الأسماء والصفات الكلّية، فإنّ جميع ما ينكشف للإنسان يصدر من العالم العلويّ والملأ الأعلى؛ ويبدو أنّنا تحدّثنا قليلاً عن هذه المسألة فيما سبق، حيث إنّ كافّة العلوم التي ينالها الإنسان تنشأ من الملأ الأعلى؛ فتأتي من ذلك العالم، وتظهر بصور مختلفة باختلاف القوالب التي تتجلّى فيها؛ سواء كانت هذه العلوم ذات صلة بالهندسة، أو الطبّ، أو العمارة، أو الفلاحة، أو طبقات الأرض، أو الحقائق السماويّة؛ فهي بأجمعها علوم، وهذا ممّا لا شكّ فيه، حيث نُلامس بأنفسنا تطبيقاتها والمناهج التي تسير عليها؛ فحينما تُقلع الطائرة مثلاً من مكان معيّن، فإنّها تكون خاضعة في حركتها للقوانين الطبيعيّة؛ نظير قانون الجاذبيّة؛ ولهذا، لا يُمكنها أن ترتفع في الهواء، إلاّ من خلال الأخذ بمبدأ الثقل، ومبدأ قوّة الدفع، وبقيّة المبادئ والقوانين التي أوجدها الله تعالى في المادّة؛ كما أنّها تُحلّق عاليًا وتظلّ ساكنة في الأجواء في ظلّ مجموعة من المعايير الخاصّة؛ ثمّ تهبط على الأرض اعتمادًا على قوانين معيّنة؛ ولهذا، ينبغي أن تكون هناك مطابقة بين أجنحة هذه الطائرة، وبين حجمها ووزنها؛ كما يجب أيضًا أن يوجد انسجام بين محرّكها وقوّتها الدافعة، وبين وزنها وبقيّة المسائل التي قد تحدث؛ لكن، من أين تعلّم الإنسان كلّ هذه الأمور؟ تعلّمها من مشاهدة الطيور وتحليقها؛ فحينما تُريد أن ترفرف بأجنحتها، فإنّها تفعل ذلك بطريقة خاصّة، وحينما تُريد أن تُحلّق بسلاسة، فإنّها تجعل أجنحتها بشكل خاصّ، حيث أودع الباري عزّ وجلّ القوانين الطبيعيّة في وجود الطيور بنحو أحسن؛ وحينما بدأ الإنسان يتأمّل فيها، راودته شيئًا فشيئًا فكرةُ صناعة أداة تُمكّنه من التحليق مثلها؛ ومع مرور الأيّام، ازداد تطوّره، وتمكّن من الحصول على تقنيات أفضل؛ فاستطاع بذلك أن يتفوّق حتّى على الطيور؛ وهكذا الشأن في بقيّة المجالات.
فما هو مصدر ذلك كلّه؟ إنّ هذه العلوم التي يحصل عليها الإنسان عبارة عن مظاهر للأسماء الإلهيّة الكلّية التي تجلّت في نفسه بهذا الشكل؛ فهذه العلوم هي في أصلها أمور مفيدة لرقيّ الإنسان، وبلوغه نتائج أفضل. في أحد الأيّام، كان السيّد القاضي رضوان الله تعالى عليه متواجدًا في مجلسه، فجاءه أحد تلاميذه، وقال: «يا سيّدي، لقد جاؤوا حديثًا بمادّة ـ حيث لم يكن معروفًا في تلك الأيّام القطران والنفط ـ ، وبدؤوا يستعملونها في تعبيد الشوارع، بحيث إنّه إذا صببنا عليها الماء، فإنّه لا ينفذ إلى داخل أرضيّتها»؛ وكان يقصد من ذلك الأسفلت؛ لأنّ الشوارع في ذلك الحين كانت تُعبّد بالتراب؛ لتسير فوقها بعض الوسائل النقليّة غير الدوابّ وأمثالها؛ لأنّها كانت قد استُبدلت بالسيّارات وغيرها من الوسائل النقليّة. فقال السيّد القاضي رضوان الله تعالى عليه: «إنّه لأمر جيّد بالنسبة للسالك»؛ ما معنى ذلك؟ معناه أنّ السالك لا يمتلك وقتًا كثيرًا لأداء أعماله، وفرصته ضيّقة؛ ولهذا، فإنّ هذه الوسائل ستُمكّنه من الاستفادة من وقته بنحو أفضل، والاهتمام أكثر بالمسائل التي تحظى بأهمّية أكبر؛ وعلى حدّ قول العلاّمة رحمة الله تعالى عليه: في الزمان الماضي، كان على زائر الإمام الرضا عليه السلام أن يستعين في سفره بالجمال والحمير والأحصنة والهوادج وأمثال ذلك؛ فيستغرق سفره ثلاثة أشهر أو شهرًا واحدًا، حيث كانت مدّة السفر من طهران إلى مشهد تبلغ شهرًا واحدًا أو عشرين يومًا، مع كلّ الأخطار التي تُواجهه؛ فما هو الأفضل: أن يقضي الإنسان كلّ هذه المدّة في الطريق، أو أن يقضيها في مشهد عند الإمام الرضا عليه السلام؟ وأيّهما أحسن؟ من الواضح أنّ الخيار الأخير هو الأفيد بالنسبة للسالك.
