
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
من أيّ مقام تصدر كافّة العلوم الإلهيّة وغيرها؟ كيف تتعاطى النفس مع العلم حينما تتلقّاه؟ ما هو معنى العلم غير النافع في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ما هي الجرائم التي قد تُرتكب نتيجة للعلم الخالي من التهذيب؟ وما هو دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه الجلسة التاسعة والعشرين التي عقدها لشرح حديث عنوان البصريّ؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القصص والنماذج الفريدة في هذا المجال.
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
17ـ يا رسول الله، لقد وصل هؤلاء الأسراء للتوّ، وتوجد من ضمنهم بعض الجواري! لكن، ما إن أتى أولئك إلى نفس النبيّ، حتّى ذهبوا، ليدخلوا في ثروات المسلمين، من دون أن يتوقّفوا في نفسه صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ـ يا رسول الله، لقد أمسكنا بفلان المعارض وعدوّ الإسلام؛ فماذا نفعل به؟
وهنا، نرى أنّه حينما اندلعت معركة أحد، فإنّ عمر فرّ مع رفقائه إلى خارج المدينة طيلة ثلاثة أيّام؛ لكن، عندما جاؤوا بأسير، رفع سيفه، وطفق يقول: «يا رسول الله، دعنا نقطع رأسه!»؛ أين كنت إلى هذه اللحظة؟ ولماذا [تُبرز شجاعتك] هنا؟ بينما نجد الرسول جالسًا بكلّ هدوء؛ لأنّه لا يحمل في قلبه أيّ حقد أو ضغينة؛ فصحيح أنّ ذلك الأسير عدوّ، إلاّ أنّ هذه العداوة لم تجد لها طريقًا إلى قلب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.
ـ يا رسول الله، أمسكنا ببعض الأسراء من أعداء الإسلام!
ـ أحضروهم!
فيأتون بهم، ويظلّون جالسين بأجمعهم ينتظرون أن يُصدر الرسول أمره بإنهاء أمرهم، الواحد تلو الآخر؛ لكنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم يرفع رأسه، ويسألهم: «هل تسلمون، أم لا؟»؛ فيُجيبون: «نُسلم»؛ فيقول لهم: «مرحبًا بكم!»؛ فما حقيقة ذلك؟ لأنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم مرآة لا تحتفظ في داخلها بأيّ شيء، ولم يعرضها أيّ تموّج؛ وهكذا الشأن بالنسبة للإمام عليه السلام، ووليّ الله تعالى هو أيضًا على نفس هذه الشاكلة. فلماذا نحن شيعة للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وشيعة لأمير المؤمنين عليه السلام؟ لأنّ مرآة عليّ خالية من التموّجات؛ ولماذا نحن شيعة لإمام الزمان؟ لأنّ مرآته خالية من التموّجات؛ وإلاّ، إذا كانت فيها تموّجات، ولو بمقدار ذرّة، فإنّنا لن نكون له شيعة، بل ينبغي أن تكون كتلك المرآة [فرضًا] التي ظلّت ستّة أشهر وهي تبرد؛ فلو كانت تلك المرآة تُعاني من التموّجات، ولو بمقدار ذرّة، واحتفظت تلك النفس لذاتها بشيء ما، لما تمّكن حضرة بقيّة الله (أرواحنا له الفداء) من استحقاق مقام الإمامة أبدًا أبدًا؛ وهذه هي المسألة التي ينبغي علينا أن نستوعبها هنا؛ وهي تتعلّق بحقيقة مقام عبوديّة الرسول، ومقام إمامة أئمّة الهدى، ومقام ولاية أولياء الله تعالى؛ وهذا ملاك مهمّ جدًّا نستطيع من خلاله اختبار الناس وتقييمهم.
