
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
من أيّ مقام تصدر كافّة العلوم الإلهيّة وغيرها؟ كيف تتعاطى النفس مع العلم حينما تتلقّاه؟ ما هو معنى العلم غير النافع في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ما هي الجرائم التي قد تُرتكب نتيجة للعلم الخالي من التهذيب؟ وما هو دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه الجلسة التاسعة والعشرين التي عقدها لشرح حديث عنوان البصريّ؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القصص والنماذج الفريدة في هذا المجال.
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
16«اللَهمّ إنّي أعوذُ بِكَ مِنْ عِلمٍ لايَنفَع»
فنفس هذا العلم الذي أتى من عند الله تعالى، والذي يُعدّ أيضًا أرقى العلوم، ومن شأنه أن يُساهم في تهذيب النفس.. نجده يتسبّب في الشقاء والخزي والجرائم والمصائب والانحراف والانحلال وأمثال ذلك.
دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير عند التلقّي
ولهذا، يقول الإمام الصادق عليه السلام لعنوان منذ البداية: إذا أردت طلب العلم الذي يجلب النور، عليك أوّلاً أن تجعل نفسك عبدًا؛ فإذا صرت كذلك، ستُصبح مثل المرآة؛ وحينئذ، إذا أتى العلم من أعلى، فلن يحصل له أيّ تغيير عندما يعبر من نافذتك.. يُقال إنّ أفضل مرآة هي التي لا يوجد فيها أيّ تموّج؛ فكلّما كان تموّج المرآة أقلّ، عكست الصور بنحو أحسن. في أحد الأيّام، كنت أطالع في موضع ما، فقرأت أنّهم يستخدمون بعض المرايا في صناعة التلسكوبات الفضائيّة؛ فحينما يُريدون صياغة هذه المرايا، فإنّها تكون في الأوّل حارّة، فإذا بردت [بسرعة]، فإنّها تصير ذات تموّجات؛ ولهذا، فإنّهم يتركونها تبرد طيلة ستّة أشهر؛ ولا أعلم هل توجد هنا مبالغة أم لا، لكنّني وجدته مكتوبًا؛ وكلّ ذلك حتّى تتمكّن تلك المرايا من عكس الكواكب والأجرام السماويّة كما ينبغي؛ فهكذا مرآة لا تملك من نفسها أيّ شيء، وحينما يصطدم بها النور، فإنّها تعكسه بنفس الكيفيّة التي أتى بها؛ بينما تجد بعض المرايا ما إن ينظر إليها الإنسان، حتّى يرى وجهه قد صار فجأةً معوجًّا؛ فما هو سبب ذلك؟ سبب ذلك أنّ هذه المرآة غيّرته، حيث يتوقّف هذ التغيير على مقدار ما يوجد في تلك المرآة من تموّج؛ لكن، يبقى في جميع الأحوال أنّ هذه النسخة لا تحكي عن الأصل، خلافًا لمرآة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، والتي تكون النسخ فيها مطابقة للأصل؛ هذا، مع أنّ تعبيرنا هنا بالنسخة يتضمّن جانبًا تشبيهيًّا، مع قليل من المزاح في الوقت ذاته؛ فقلب الرسول والإمام عليه السلام ونفسيهما يعكسان الأشياء مثلما هي: فكما تأتي، ترجع.
ـ يا رسول الله، لقد أحضروا من اليمن المقدار الفلانيّ من الأموال والخراج! لكنّه، حينما جاء إلى نفس الرسول، فإنّه ذهب بنفس تلك الكيفيّة إلى بيت المال، من دون أن يكون له أيّ شأن بالنبيّ.
