
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
من أيّ مقام تصدر كافّة العلوم الإلهيّة وغيرها؟ كيف تتعاطى النفس مع العلم حينما تتلقّاه؟ ما هو معنى العلم غير النافع في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ما هي الجرائم التي قد تُرتكب نتيجة للعلم الخالي من التهذيب؟ وما هو دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه الجلسة التاسعة والعشرين التي عقدها لشرح حديث عنوان البصريّ؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القصص والنماذج الفريدة في هذا المجال.
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
15لكنّ حديثنا يدور حول هذه المسألة: «أيّها الأخرق! حينما تتفوّه بمثل هذا الكلام، هل تعتقد حقيقةً في قرارة نفسك، وبينك وبين الله تعالى بأنّ جنين المسلم لا يختلف عن جنين الكلب والقطّة؟ أ فهل هكذا يكون الأمر؟ وإلاّ، لماذا لا يُحكم بدفع الدية عند إسقاط جنين الكلب والقطّة، بينما إذا أُسقط جنين المسلم...؛ ثمّ إنّه بعد ذلك يأتي [ذلك العالم] ويقول: «إنّ هذا الحكم يرجع إلى مجموعة من المصالح والمفاسد، ويهدف إلى المحافظة على مصلحة المجتمع، ومراعاة أعصاب فلان، ومرض علاّن، والأخذ بيد المرأة التي تعبت نفسيًّا؛ ولهذا، لا إشكال في ذلك!».
لقد قصمت هذه الطائفة ظهر الرسول: «قَصَمَ ظَهري صنفان، عَالِمٌ مُتُهَتِّكٌ وَجَاهِلٌ مُتُنَسِّكٌ».
أي العالم المتجرّي الذي لا يهتمّ لأيّ شيء، ولا يخطر في باله سوى المنافع الدنيويّة، والجاهل الذي لا يُصغي للكلام، ويعمل طبقًا لجهله»؛ فما هو السبب في ذلك؟ سببه عدم تهذيب النفس؛ وحينئذ، نراه يأتي بنفس هذه الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام، ويقلبها، ويستخرج منها شيئًا آخر؛ ويأتي بعين كلام أمير المؤمنين من نهج البلاغة، ويعكسه، ويعرضه في الخارج بنحو آخر؛ وفي هذه الحالة، يحقّ لنا أن نسأله: «هل كان فعلاً هذا هو مراد أمير المؤمنين؟»؛ إذ لو كان عليه السلام يقصد حقيقةً من تلك الخطب ما تذكره، لجاز لنا أن نعترض عليه، ونقول: «يا علي! أ لم يكن بوسعك بيان هذه المسألة بنحو آخر؟»؛ فأنا بصفتي طالب علم سأعترض الآن، وأحتفظ لنفسي بحقّ الاعتراض والشكوى أمام أمير المؤمنين، وأقول: «كان بمقدروك عرض هذه المسألة بطريقة أخرى، فلماذا ذكرت مثل هذا الكلام؟ فأنت أمير البيان؛ وعلى حدّ قولكم: نَحنُ أُمَرَاءُ البيان؛ أي: نحن نستطيع.. نحن أمراء البيان، فالبيان والكلام تحت تصرّفنا، ونحن سلاطين الكلام؛ وحينئذ، لماذا أوقعتم الناس في الخطأ، وبيّنتم هذه المسألة بنحو مخالف لمرادكم؟ فنحن نعترض!»؛ وفي هذه الحالة، يأتي هؤلاء [العلماء]، ويُحصّلون العلم، ويستخدمونه في مواجهة المؤسّسين لهذه المدرسة، والذين يقوم الدين بهم، وتتّكئ المدرسة على وجودهم، وينشرون هذه المسائل؛ وحينئذ، إلى ماذا يؤول الأمر؟ يؤول إلى:
