
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
من أيّ مقام تصدر كافّة العلوم الإلهيّة وغيرها؟ كيف تتعاطى النفس مع العلم حينما تتلقّاه؟ ما هو معنى العلم غير النافع في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ما هي الجرائم التي قد تُرتكب نتيجة للعلم الخالي من التهذيب؟ وما هو دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه الجلسة التاسعة والعشرين التي عقدها لشرح حديث عنوان البصريّ؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القصص والنماذج الفريدة في هذا المجال.
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
10أراد معاوية أن يمدح أمير المؤمنين، فقال: «لو كان لدى عليّ جبلاً من ذهب، وجبلاً من قشّ، لأنفق جبل الذهب في سبيل الله تعالى قبل أن يُنفق جبل القشّ»؛ فهو تحدّث بهذا الكلام بما ينسجم مع مستوى فهمه وإدراكه؛ لكنّ هذا المسكين لم يكن يعلم أنّ الذهب والقشّ يستويان في نظر عليّ عليه السلام، وأنّهما يحظيان في نفسه بالقيمة ذاتها. إنّ كلامي هذا لا مزاح فيه؛ إذ بوسع الإنسان بلوغ هذه المرتبة، بحيث متى ما رأى في الشارع كيسًا من ذهب، فإنّه لن يكون مختلفًا بالنسبة إليه عن كيس من قشّ؛ بل ولن يأتي ذلك حتّى على باله، ولن يحصل لديه أيّ تصوّر زائد عن هذه المسألة.
نماذج عن التعاطي الرحمانيّ أو الشيطانيّ مع العلم
فالعلوم الظاهريّة والعلوم التي يظفر بها الإنسان في مجال الأمور الظاهريّة تُعدّ بحدّ ذاتها مطلوبة؛ وذلك نظير الاختراعات، أو الاكتشافات، أو التوصّل إلى بعض النتائج؛ لكن، ما إن يبدأ هذا العلم بالولوج إلى النفس، حتّى تتعاطى معه النفس بأحد أسلوبين: إمّا نفسانيّ أو رحمانيّ؛ فتجد أحدهم بمجرّد أن يحصل على هذا العلم، فإنّه يقول مع نفسه: «لن أبوح به لأحد، وسأحتفظ به لنفسي، وإذا سألني عنه تلاميذي، فلن أخبرهم عنه.. لماذا؟ لأنّهم يعتبرونني أعلى منهم؛ فإذا بُحت لهم بأسرار المهنة، فإنّهم سيعدّونني أدون منهم». يُحكى أنّ أحد المصارعين الأبطال كان يُدرّب تلميذًا له؛ وخلاصة القول أنّ هذا التلميذ تعلّم جميع فنون المصارعة شيئًا فشيئًا؛ إلى أن جاء أحد الأيّام، فتجرّأ وتجاسر على أستاذه، وقال له: «أنت لا تفوقني في أيّ شيء، فأنا أملك كلّ ما تملكه، وأُتقن كافّة الفنون التي تتقنها!»؛ لكنّ ذلك الأستاذ لم يعتن بقوله، إلى أن تفاقم الأمر كثيرًا، فأجبره على المصارعة والنزال؛ فاشتبكا مع بعضهما، وتمكّن ذلك الأستاذ من التغلّب على التلميذ وطرحه أرضًا؛ فتفاجأ ذلك التلميذ كثيرًا، وسأل أستاذه: «أخبرني عن حقيقة الأمر؟»؛ فأجابه قائلاً: «كنت أشعر بوجود هذه الحالة في نفسك؛ ولهذا، فقد احتفظت بهذه التقنية لمثل هذا اليوم؛ حتّى تعود إلى رشدك!»؛ أجل، لقد جاء هذا العلم، واستقرّ في قلب ذلك المصارع البطل؛ فكيف كان تعاطيه معه؟ أحيانًا، قد يكون هذا التعاطي مثل تعاطي مالك الأشتر الذي كان صاحب قوّة وسلطة، لكنّهما لم يتسرّبا إلى قلبه؛ ولهذا، مع أنّهم ألقوا القمامة على رأسه، إلاّ أنّه لم يعتن بذلك، واستمرّ في طريقه؛۱ فقد كان من الأبطال، وقائد جيوش أمير المؤمنين عليه السلام، إلاّ أنّ هذه المُكنة لم تتسرّب إلى قلبه؛ وذلك بخلاف البعض؛ إذ تجد تلك القوّة والسلطة طريقًا إلى قلبه، ويُفسح لها المجال للوصول إليه، فيحسب لنفسه حسابًا خاصًّا، ويضع فاصلة بينه وبين الآخرين؛ وهذا هو معنى فسح المجال! لقد كان الجانب الأوّل [في التعاطي مع العلم] رحمانيًّا وخاضعًا للعبوديّة، وأمّا الجانب الثاني، فهو نفسانيّ وغير خاضع للعبوديّة؛ فهما يُعبّران عن شيء واحد مشترك، لكنّه ذو وجهين وجانبين؛ فهو عبارة عن ميزان ذي كفّتين: الأولى رحمانيّة، والثانية غير رحمانيّة.
- حُكِيَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الْأَشْتَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مُجْتَازًا بِسُوقٍ وعَلَيْهِ قَمِيصُ خَامٍ وعِمَامَةٌ مِنْهُ، فَرَآهُ بَعْضُ السُّوقَةِ فَأَزْرَى بِزِيِّهِ، فَرَمَاهُ بِبَابِهِ تَهَاوُنًا بِهِ، فَمَضَى ولَمْ يَلْتَفِتْ فَقِيلَ لَهُ: وَيْلَكَ تَعْرِفُ لِمَنْ رَمَيْتَ؟ فَقَالَ: لَا، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام، فَارْتَعَدَ الرَّجُلُ ومَضَى لِيَعْتَذِرَ إِلَيْهِ وقَدْ دَخَلَ مَسْجِدًا وهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا انْفَتَلَ انْكَبَّ الرَّجُلُ عَلَى قَدَمَيْهِ يُقَبِّلُهُمَا فَقَالَ: مَا هَذَا الْأَمْرُ؟ فَقَالَ: أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعْتُ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، فَوَ اللَّهِ، مَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ إِلَّا لِأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ (بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ۱٥). المعرّب
