
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
من أيّ مقام تصدر كافّة العلوم الإلهيّة وغيرها؟ كيف تتعاطى النفس مع العلم حينما تتلقّاه؟ ما هو معنى العلم غير النافع في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ما هي الجرائم التي قد تُرتكب نتيجة للعلم الخالي من التهذيب؟ وما هو دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه الجلسة التاسعة والعشرين التي عقدها لشرح حديث عنوان البصريّ؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القصص والنماذج الفريدة في هذا المجال.
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
6لكن، تعالوا بنا نتنزّل أكثر قليلاً؛ فتجد أحدهم يقول مع نفسه: «أنا بدوري لا أمتلك شيئًا، وأنا أيضًا واحد من هؤلاء». يُحكى أنّ أحدهم كان يُنفق كلّ ما يقع بين يديه من أموال من دون أن يحتفظ لنفسه بأيّ شيء؛ وفي أحد الأيّام، قالت له زوجته: «يا عزيزي، نحن أيضًا من هؤلاء؛ فكما أنّك تذهب وتُنفق كلّ ما تظفر به على هذا وذاك، اعتبرنا نحن كذلك من هؤلاء الفقراء!». فحينما حصل له هذا العلم والاطّلاع، فإنّ ذلك فسح له المجال لكي يقول: «فلأحتفظ بنصف المبلغ لنفسي، ولأمنح نصفه الآخر مثلاً إلى أهلي وعشيرتي!»؛ فهل لاحظتم إلى ما آل إليه الأمر هنا؟ لقد أصبحنا نبتعد شيئًا فشيئًا عن عبوديّة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، ونتنزّل أكثر فأكثر؛ حتّى نصل في نهاية المطاف إلى أن نضع في جيبنا كلّ ما يُحضروه لنا؛ وهنا الطامّة الكبرى! فلنفرض مثلاً أنّك جالس، فجاء عندك أحد، وقال لك: «أيّها السيّد، توجد فتاة تطلب الزواج؛ وتتحلّى بالصفات الكذائيّة، ولا يوجد من يخطبها؛ وقد بلغت سنّ الزواج؛ أو قد يوجد من يخطبها، لكنّها تبحث عن زوج صالح، ومتديّن، وملتزم، وغيور، وواعٍ، وعاقل»؛ فتسأله: «حسن جدًّا، تعال أوّلاً، وحدّثني عن مميّزاتها؛ إذ ينبغي أن نرى في البداية ما هي قيمة هذا المتاع!!!».
ـ نعم، إنّها تبلغ كذا من العمر، وصفاتها الظاهريّة هي بالشكل الفلانيّ، والباطنيّة بالنحو الكذائيّ، وتتحلّى بالكمالات الفلانيّة، و...
فتقول حينئذ: «يا للعجب! أين كنت أيّها القلب الغافل، حتّى تغيب عنك مثل هذه الفرصة؟»؛ وأمثال هذه الكلمات...
وأنا أسألكم: لو فرضنا أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كان جالسًا، وجئت عنده، لكي تُخبره بهذا الأمر، فما هو أوّل شيء سيخطر على باله الشريف؟ هل سيُفكّر في الاحتفاط بالفتاة لنفسه؟ أم في ماذا سيُفكّر؟ بمجرّد أن يُواجه هذه المسألة، فإنّه سيشعر في نفسه بأنّه عبارة عن وسيلة وأداة، فيبحث في ذهنه عن غير المتزوّجين من أهل المدينة وشبابها، ويختار من بينهم أفضل رجل ملائم لهذه الفتاة، ثمّ يقول: «عثرت عليه.. نادوا على فلان لكي يأتي عندي»، وحينما يأتي عنده، يقول له: «ألم تتزوّج لحدّ الآن؟»، فيُجيبه: «لا، يا رسول الله، لم أتزوّج!»؛ فيقول له: «حسن جدًّا، توجد هذه الفتاة، هل تقبل بها؟»؛ فيُجيبه: «لماذا لا أقبل؛ وهل يطلب الأعمى من الله تعالى أكثر من يمنحه عينين؟!۱»؛ فيُجري الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم العقد في تلك اللحظة، ويضع يد الرجل في يد الفتاة، ويُرسلهما إلى البيت، حيث يأمر بتأجير بيت لهما يتوفّر على غرفة، و...؛ فهذا هو الأمر الذي سيفعله النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وأمّا نحن، فما الذي سنقوم به؟ سنقول: «تعال، وأخبرني من هو الرجل الذي تبحث عنه هذه الفتاة؟ وما هي الصفات التي تشترطها فيه؟ فعلينا نحن أيضًا أن نرى، ونطّلع على حقيقة الأمر...»؛ فلا تمرّ ساعتان، حتّى يعقد على الفتاة على نفسه، ويتزوّجها زواجًا مؤقّتًا! لقد أتت الفتاة المسكينة بحثًا عن زواج دائم؛ فإذا بها تجد نفسها زوجة مؤقّتة لذلك السيّد! فما هو السبب في كلّ ذلك؟ إنّها النفس يا عزيزي! ولماذا الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يُقدم على هذا الفعل؟ لأنّه لا يمتلك نفسًا؛ ولماذا لا يقوم الإمام عليه السلام بهذا العمل؟ لأنّه لا يمتلك نفسًا؛ فهو يرى نفسه عبدًا.. أ فهل يقدر العبد على التصرّف في ممتلكات مولاه؟ وهل يُمكنه أن يحتفظ لنفسه بتومان واحد؟ فإذا عثر على ماسة ملقاة على الأرض، توجّب عليه تسليمها لربّ البيت؛ وإذا وجد فلسًا من نحاس، تعيّن عليه أيضًا تقديمها له؛ فلا يُمكنه القيام بأيّ شيء؛ سواءً أخذ من الأرض ماسة، أو فلسًا لا يساوي شيئًا؛ فحينما يكون الإنسان عبدًا، فإنّه لا يقدر على فعل أيّ شيء.
- كناية عن أنّ المحتاج لا يطلب إلاّ ما يرفع به حاجته. المعرّب
