
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
من أيّ مقام تصدر كافّة العلوم الإلهيّة وغيرها؟ كيف تتعاطى النفس مع العلم حينما تتلقّاه؟ ما هو معنى العلم غير النافع في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ما هي الجرائم التي قد تُرتكب نتيجة للعلم الخالي من التهذيب؟ وما هو دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه الجلسة التاسعة والعشرين التي عقدها لشرح حديث عنوان البصريّ؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القصص والنماذج الفريدة في هذا المجال.
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
5فلنفرض مثلاً أنّك جالس في بيتك؛ فطُرق الباب، وجاء أحدهم، وقال لك: «أيّها السيّد! يوجد مبلغ من المال أريد أن أمنحك إيّاه، لكي تُنفقه في الأمور الخيريّة، وفي كلّ ما ترى فيه مصلحة»؛ فلنفرض أنّ التقدير والمشيئة الإلهيّين تعلّقا بصدور هذا الرزق من لدن الاسم الرزّاق، فتنزّل عن طريق عدّة وسائط، إلى أن وقعت القرعة على اسمك؛ فأتى أحدهم، ووضع ذلك المبلغ تحت تصرّفك، وأمرك بتوزيعه؛ فحينئذ، بعدما حصل لك علم واطّلاع على إمكانيّة تحقّق هذه المسألة في الخارج، وجرى وضع ذلك المال تحت تصرّفك، فإنّ نفسك قد تحصل لها إحدى حالتين: الحالة الأولى أنّه حينما يُقترح عليك ذلك المبلغ، فإنّ نفسك تقبله مباشرةً، لكنّها تطرده عن ذاتها، وتُوزّعه على المستحقّين منذ البداية؛ أي من دون أن تتأمّل ولو للحظة واحدة؛ فالاقتراح صدر من شخص آخر، وأنت هنا مجرّد واسطة؛ فيقول لك ذلك الشخص: «أيّها السيّد، لقد وضعت مليونًا تحت تصرّفك، فوزّعه على مجموعة من الناس في سبيل الله تعالى، وأنفقه في الأمور الخيريّة»؛ هذا، مع أنّه لا يقول هنا: «أعطه للفقراء»، بل يقول: «أنفقه في الأمور الخيريّة»؛ فإذا كانت لنا نفسٌ مثل نفس النبيّ، فمن الواضح أنّه إذا اقتُرح عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا المبلغ، فإنّه لن يُبقيه في نفسه ولو للحظة واحدة، بل سيعثر له على موارد للإنفاق، ويُنفقه قبل أن يصل إليه! فهو مجرّد وسيلة ومجرى عَبَر منه ذلك المال، وذهب؛ من دون أن يظلّ، أو يجد له مكانًا، أو يستقرّ فيه؛ أجل، قد يُفكّر قليلاً فيمن يستحقّ أكثر أخذه، ومن تكون له الأولويّة في ذلك؛ كأن يكون مضطرًّا مثلاً، أو يتحلّى بمجموعة من الخصائص المعيّنة؛ لكنّ أصل المال لا يبقى في نفسه؛ وهذا هو محلّ كلامنا! فذلك المال لم يتوقّف هنا؛ لكنّ الأمر يتعلّق في هذا المقام بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، والإمام عليه السلام، والوليّ الذين لا يمتلكون نفسًا؛ إذ حينما لا يكون الإنسان متوفّرًا على نفس، فأين يُمكن لذلك المال أن يتوقّف؟ لأنّ المفروض أن تكون هناك نفس حتّى تقبله. لكن، تعالوا بنا نتنزّل قليلاً عن هذه المرتبة؛ إذ تجد أحيانًا أحدهم مبتلى، شأنه في ذلك شأن البقيّة؛ فكما أنّ الآخرين يعانون، فإنّه يُعاني بدوره أيضًا؛ ولهذا، حينما يُقترح عليه ذلك المبلغ، فإنّه يُفكّر قليلاً، ويقول مع نفسه: «يوجد لديّ بعض الأصدقاء المحتاجين، وهناك أيضًا في هذا الحيّ بعض المستضعفين الذين يُعانون من الفقر؛ ولهذا، من الأفضل أن أمنح هذا المبلغ لسكّان هذا الحيّ؛ عوضًا أن أهبه لسكّان الحيّ السفليّ؛ إذ يوجد من بين قومي وعشيرتي بعض الأفراد المعوزين؛ وبالتالي، من الأحسن أن أنفقه عليهم هم»؛ فيبدأ يُناور، ويُقلّب هذه المسألة؛ هذا، مع أنّه لا يحتفظ لنفسه بأيّ شيء من ذلك المبلغ؛ لكنّه يهبه لأهله، وعشيرته، وجيرانه، والمقرّبين إليه، والأفراد الذين يلتقي بهم ويُسلّم عليهم كلّ يوم؛ فهذا نوع من الناس!
