
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
من أيّ مقام تصدر كافّة العلوم الإلهيّة وغيرها؟ كيف تتعاطى النفس مع العلم حينما تتلقّاه؟ ما هو معنى العلم غير النافع في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ ما هي الجرائم التي قد تُرتكب نتيجة للعلم الخالي من التهذيب؟ وما هو دور التهذيب في صيانة العلم من التغيير؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه الجلسة التاسعة والعشرين التي عقدها لشرح حديث عنوان البصريّ؛ علاوةً على استعراضه لمجموعة من القصص والنماذج الفريدة في هذا المجال.
أهمّية تهذيب النفس قبل طلب العلم
2أعوذُ بِاللَه مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم
بِسمِ اللَه الرَّحمنِ الرَّحيم
وَصَلَّى اللَه عَلى سَيَّدنا وَحَبيبِنا، أبي القاسِمِ المُصطَفى مُحمَّد
وَعَلى آلِه الأطْيَبينَ الأطهَرين الهُداةِ المَعصومين
لاسِيَّما بقيَّةِ اللَه في الأرَضين، أرواحُنا لِتُراب مقدَمِهِ الفداء
وَاللَعنة عَلى أعدائهم وَمُخالِفيهم ومُنكِري حُقوقِهِم وَفَضائِلِهِم وَمَناقِبِهم
إلَى يوم الدّين
يقول الإمام الصادق عليهالسّلام: «فَإنْ أرَدتَ العِلمَ، فَاطْلُبْ أوّلًا فى نَفسِكَ حَقيقه العُبوديَّة».
فقبل العلم، وقبل التعلّم وتحصيل المعلومات، اذهب، وحقّق في نفسك العبوديّة لله تعالى؛ لماذا؟ وما هي العلاقة القائمة بين العبوديّة والعلم؟ أ فهل يوجد إشكال في التعلّم من دون عبوديّة؟ فأيّ إشكال في أن يتعلّم الإنسان الرياضيات من دون أن يكون مسلمًا؟ أ فليس العديد من العلوم الشائعة الآن بين الناس قد جاءتنا من الكفّار؟ أ فلم يصلنا هذا التقدّم والرقيّ الذي نشهده على مستوى العلوم الظاهريّة من البلدان الكافرة؛ مع أنّها تفتقر للإيمان، فضلاً عن أن تكون بلغت مستوى العبوديّة؟
نموذج عن العالم غير المهذّب
ونُشاهد في الكثير من الروايات والأحاديث إضفاء الأهمّية على جانب التزكية قبل جانب العلم، والاهتمام بجانب تهذيب النفس قبل جانب التعلّم؛ فيُقال على سبيل المثال: إذا أراد مريضٌ الذهاب إلى الطبيب لكي يُجري له عمليّة جراحيّة، فإنّ مسألة خدمة هذا المريض ومراقبته ورعايته تفوق أهمّيةً نفس العمليّة؛ أي أنّ مسألة التمريض بعد العمليّة تكون بالنسبة إلى المريض أهمّ من نفس العمليّة التي يُجريها الجرّاح؛ إذ لولا مسألة التمريض، لتعفّن موضع العمليّة مباشرةً؛ ممّا سيُؤدّي إلى وفاة المريض. فصحيح أنّ العمليّة تمّت؛ لكن، إذا لم يُعتن بالمريض، وتُعط له الأدوية اللازمة بعد ذلك، وتوضع له الضمادات، وتُطهّر جروحه، فإنّ تلك العمليّة لن تُثمر، ولن تُجنى منها أيّة فائدة.
كان المرحوم العلاّمة رضوان الله تعالى عليه يحكي عن طبيب بلجيكيّ جاء إلى إيران قبل مدّة طويلة، وكان مسيحيًّا، إلاّ أنّه أسلم هنا وصار شيعيًّا، بسبب المعجزات التي شاهدها بأمّ عينيه من الإمام الرضا عليه السلام، ويوجد قبره في ضريح الربيع بن خثيم (الخواجة ربيع)، حيث زرته بنفسي بصحبة أحد الرفقاء، وقرأت له سورة الفاتحة؛ وأعتقد بأنّ العلاّمة رحمة الله تعالى عليه تحدّث عنه في أحد كتبه، لكنّني لا أتذكّر في أيّ موضع؛ وأظنّه قد أتى على ذكر اسمه؛ لأنّه ـ على ما يبدو ـ أمرني أن أعثر على قبره، وآتيه بتلك العبارة المكتوبة عليه؛ فذهبت إلى ضريح الخواجة ربيع، حيث يتواجد هناك. لقد جاء هذا الطبيب إلى إيران في عهد رضا شاه، وقدّم العديد من الخدمات؛ فكان يُجري العمليّات الجراحيّة بنفس مستشفى الإمام الرضا الموجود حاليًّا بمشهد؛ وكانت هذه العمليّات تُكلّل بالنجاح الفائق. والعجيب أنّ العديد من الأطبّاء في المستشفى كانوا يلجؤون إلى تلويث موضع الجرح بعد العمليّة، حتّى يُفسدوا عمله؛ ممّا يُؤدّي إلى وفاة المريض! ولا بدّ أنّ الرفقاء قد اكتشفوا من هذا الأمر سبب الحكم بضرورة التهذيب قبل العلم، حيث نرى بأنّ مسيحيًّا قد أتى، وأسلم، وتشيّع بسبب مشاهدته لمعاجز الإمام الرضا عليه السلام، بينما نجد المسلم والمتشيّع للإمام الرضا يأتي ويقوم بذلك العمل! ويبدو أنّ ذلك الطبيب كان اسمه «بوش فلكرن»؛ وأنا على يقين بأنّه أتى على ذكر اسمه؛ لأنّني أذكر بأنّه طلب منّي أن آتيه بالعبارة المكتوبة على قبره؛ فذهبت ذلك اليوم. فما هو السرّ في أن نجد في جميع هذه الروايات حديثًا عن ضرورة السعي وراء التهذيب قبل الخوض في طلب العلم؟ ولماذا ينبغي أن يكون الأمر بهذا النحو؟ وبدوره، فإنّ الإمام الصادق يأمر عنوان البصريّ بالتزكية قبل العلم، ويقول له: «قبل أن تطلب العلم، اذهب أوّلاً، وزكّ نفسك»؛ هذا، مع أنّه عليه السلام ليس من طبيعته المزاح أو البخل؛ وبعبارة أخرى أنّه "لا يُرسل أحدًا للبحث عن الحمّص الأسود!"۱ فما هو مراد الإمام عليه السلام إذن من إعطاء كلّ هذه الأهمّية للتهذيب قبل العلم؟
- كناية عن التضليل؛ لأنّ الحمّص الأسود لا يُباع عادةً في الدكاكين والأسواق، إلاّ ما ندر منها. المعرّب
