
معنى حقيقة العبوديّة
تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله تعالى نفسه الزكيّة في هذه المحاضرة عن المراد من العلم الحقيقيّ الذي يقي الإنسان من الانحراف؛ ليتوصّل إلى أنّ العبوديّة هي أوّل خطوة للظفر بهذا العلم؛ ثمّ يتناول بعد ذلك معنى حقيقة العبوديّة الواردة في حديث عنوان البصريّ، ويستعرض أقسام هذه العبوديّة، وكيفيّة الوصول إليها.
معنى حقيقة العبوديّة
9لدينا رواية تقول أنّه إذا صلّى الإنسان، وبدأ يسبح حين الصلاة في خيالات أخرى؛ فيتجوّل في أنحاء العالم، وبجمع الشيكات والكمبالات و ...، ويضعها بأجمعها في البنك، وينهمك في الإمضاءات؛ وهكذا، إلى أن ينتهي من قوله: «ولا الضالّين»، فإنّ الله تعالى يقول له: «حسن جدًّا، لقد قمت بجولة رائعة، وسافرت إلى كلّ مكان، ووحدي أنا الذي لم تأت عنده! لا مشكلة في ذلك؛ فقد خصصتني بواحد في المائة فقط من صلاتك، واقتصرت على قراءة هذه الكلمات؛ فأنا أشكرك، وجعلت الآخرين شركاء لي بتسعة وتسعين مائة من تلك الصلاة! اعلم أنّني شريك جيّد؛ إذ ينبغي على الشريك أن يكون جيّدًا يا سيّدي، هل تعلم ذلك؟ وعليه أن يكون متساهلاً عند وقوع الخلافات؛ فأنا شريك جيّد؛ ولهذا، فإنّني أهب حصّتي لبقيّة الشركاء؛ فيا ملائكتي! اذهبوا، واضربوا على رأس هذا العبد بتلك الصلاة، وقولوا له: خذ الجميع لك!» فإذا أردنا أن نُصبح شركاء، فلنتشبّه في ذلك بالباري عزّ وجلّ، ولنكن مثله متساهلين يا سيّدي! ولا نُصعّب الأمر على أنفسنا.. {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ}؛۱ فالله تعالى يقول: أنا شريك جيّد؛ ولهذا، فإنّني وهبت حصّتي لبقيّة الشركاء. حسنًا، لا توجد أيّة مشكلة، اذهب واركض في هذين اليومين اللذين بقيا لك في هذه الدنيا! ونحن لن يكون لنا معك الآن أيّ شغل؛ ففي نهاية المطاف، سوف تنقضي هذه الأيّام، وسيتوقّف هذا الحصان السريع عن الركض؛ وعندئذ، ستتبيّن النتيجة حينما نجتمع مع بعضنا: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ}٢؛ ففي ذلك الوقت، حينما يُكشف لنا النقاب عن ذلك اليوم، فإنّنا سنكتشف ما هي الأمور التي ضيّعناها، وما هي الأشياء التي انخدعنا بها في الدنيا، وما هي النعم التي فرّطنا فيها؛ وهناك، سيسخر الله تعالى منّا،٣ ويقول: «لم يكن لنا بك شأن في هذه الدنيا، فأمهلناك، وصبرنا عليك، وكان صبرنا عليك كبيرًا جدًّا!»؛ فما أكثرهم الذين جاؤوا، واستعرضوا قواهم، وتقلّبوا في البلاد، وصكّوا الأسماع بقولهم: نحن كذا وكذا، نحن سنفعل كذا وكذا، يجب أن يصير هنا بهذا النحو، وهناك بذلك النحو؛ والعجيب هنا أنّه: حينما يُريد الله تعالى أن يمكر بأحد، فإنّه يقوم بشيء يمنعه من الاهتمام بمسائله الشخصيّة؛ وفي هذه الحالة، لا يعُد بالوسع القيام بأيّ شيء.
- سورة آل عمران، صدر الآية ٥٤.
- سورة التغابن، صدر الآية ٩.
- لتفسير معنى السخريّة، بحيث لا يُؤدّي ذلك إلى نسبة النقص إلى الله تعالى، لا بأس أن نستعين بالرواية التالية: علي بن الحسن بن علي بن فضال عن أبيه عن الرضا علي بن موسى عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} وعن قول الله عزّ وجلّ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} وعن قوله {وَ مَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ} وعن قوله {يُخادِعُونَ اللَّهَ وهُوَ خادِعُهُمْ} فقال: «إن الله تبارك وتعالى لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنّه عزّ وجلّ يُجازيهم جزاء السخريّة وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة؛ تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا». المعرّب
