
معنى حقيقة العبوديّة
تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله تعالى نفسه الزكيّة في هذه المحاضرة عن المراد من العلم الحقيقيّ الذي يقي الإنسان من الانحراف؛ ليتوصّل إلى أنّ العبوديّة هي أوّل خطوة للظفر بهذا العلم؛ ثمّ يتناول بعد ذلك معنى حقيقة العبوديّة الواردة في حديث عنوان البصريّ، ويستعرض أقسام هذه العبوديّة، وكيفيّة الوصول إليها.
معنى حقيقة العبوديّة
4گوشِ خَر بفروش وديگرْ گوشْ خَر *** كين سخن را در نيابد گوشِ خَر [يقول: بع أذن الحمار واشتر أذنًا أخرى؛ فهذا الكلام لا يليق بأذن الحمار]۱
ولا يخفى أنّ الشيخ محمد حسين رحمة الله تعالى عليه كان يُراعي الأدب مع السيّد كثيرًا، ويحفظ له جلاله وعظمته؛ فيُجيبه بكلّ أدب بهذه العبارة المختصرة: «هر گردويى گِرد است ولى هر گِردى گردو نيست»٢؛ ومراده منها: صحيح أنّك رجل عظيم، ويلزمني احترامك؛ لكنّ مُحاورَك ليس بالذي يقبل بهذه المسائل وهو مغمض العينين. لقد كان الشيخ محمّد حسين رجلاً عظيمًا جدًّا، ومملوًّا علمًا؛ لكن، مع ذلك، فإنّ تلك المسائل [التوحيديّة] لا تحصل بالتجميع، وبالذهاب إلى هنا وهناك؛ وبحسب القول المشهور: بأن يقطف الإنسان من كلّ بستان زهرة.
الله تعالى موجود في منزلك؛ فلماذا تبحث عنه هنا وهناك؟!
في أحد الأيّام، كنّا في محضر العلاّمة رحمة الله تعالى عليه، فجاء أحدهم، كان قد أتى به شخص معيّن، حيث ترجع هذه القصّة إلى عدّة سنوات قبل الآن؛ وذلك قبل ثلاثين سنة؛ فكان يقول عنه [ذلك الشخص]: «إنّ هذا الرجل يا سيّدي قام بالعديد من الأسفار بحثًا عنه [أي الله تعالى]! لقد ذهب إلى الهند وأمريكا وإفريقيا وكلّ هذه الأماكن»؛ فكان يُردّد القول: «يا سيّدي! لقد ذهب إلى تلك الأماكن بحثًا عنه»؛ فتبسّم العلاّمة، وقال له: «أفلم يكن الله تعالى موجودًا في بيته، حتّى يضطرّ للذهاب إلى الهند وأمريكا وإفريقيا؛ أفلم يكن موجودًا في بيته؟!»؛ فهذه هي حقيقة المسألة؛ أي أنّ هؤلاء ضيّعوا الحقّ، وصاروا غافلين عن وجودهم.
سالها دل طلب جام جم از ما مي كرد *** آنچه خود داشت زبيگانه تمنّا مي كرد [يقول: منذ سنوات والقلب يطلب منّا كأس جمشيد،٣ ويتمنّى من الغرباء ما يمتلكه بنفسه]
ففي الرسالة التي بعثها السيّد أحمد رحمة الله تعالى عليه إلى ذلك المريد (على حدّ قولهم)، وأمره فيها ببعض التعاليم السلوكيّة، كان ذلك المريد قد سأله عن أمر آخر، وقال له: «حبّذا لو تتطرّقون إلى المراقبة، حتّى يكتمل الكلام، وتكونوا بذلك قد تحدّثتم عن جميع المسائل»؛ وبعبارة أخرى، يكتمل الطقم؛ وقد ذكرت لكم أنّ السيّد أحمد كان رجلاً حرًّا وذا لهجة صريحة جدًّا حين الجواب؛ وخلاصة القول أنّه ردّ عليه بقوله: إنّ هذه المسائل لا تنحلّ بمجرّد المراسلة؛ أجل، عليّ أن أهنّئ سماحتك على ما تتحلّى به من ذكاء؛ لأنّك حسبتني ـ ولا أريد هنا أن أستعمل هذه العبارة ـ حمارًا، وظننت أنّك تستطيع خداعي بكلماتك؛ وخلاصة القول، أنّك اعتقدت بأنّك تعرفني جيّدًا، وأنّني أنساق وراء جميع الاتّجاهات، بحيث كلُّ مَن جاءني، واستعمل معي أسلوب المداهنة، وطلب منّي الدستور الفلانيّ، فإنّني سأقبل.. لا يا عزيزي! هذا غير صحيح، ولا يوجد شيء من ذلك كلّه؛ فإذا عملت بما قلته لك [سابقًا]، فبها ونِعمَت؛ وإن لم تعمل به، فإنّك لن تصل إلى أيّ شيء، ولو زيد على ذلك عشرة أضعاف.
- ومراد السيّد أحمد الكربلائيّ من هذا البيت: ما دمت لم تبع أذن عالم الطبع والكثرة، فلن تحصل على أذن عالم الملكوت والوحدة؛ راجع: العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، توحيد علمى وعينى، ص ٢٣٢. المعرّب
- وترجمتها: كلّ جوزة دائريّة، لكن ليست كلّ دائرة جوزة.
- كأس جمشيد: كأس اسطوريّة منسوبة للملك جمشيد؛ يزعم أنّه كلّما نظر فيها مالكها، رأى فيها ما يجري في العالم؛ ولعلّها إشارةٌ هنا إلى قلب ذلك العارف الكامل المليء بالمعرفة. المعرّب
