
معنى حقيقة العبوديّة
تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله تعالى نفسه الزكيّة في هذه المحاضرة عن المراد من العلم الحقيقيّ الذي يقي الإنسان من الانحراف؛ ليتوصّل إلى أنّ العبوديّة هي أوّل خطوة للظفر بهذا العلم؛ ثمّ يتناول بعد ذلك معنى حقيقة العبوديّة الواردة في حديث عنوان البصريّ، ويستعرض أقسام هذه العبوديّة، وكيفيّة الوصول إليها.
معنى حقيقة العبوديّة
14في أحد الأيّام، كان السيّد القاضي رحمة الله تعالى عليه جالسًا برفقة تلامذته؛ فدار الكلام حول ضرورة محافظة السالك على نفسه من التفرقة والتشتّت، ولزوم انشغاله بنفسه، بحيث لا ينبغي عليه أن يشغل قلبه بما يحصل هنا وهناك؛ إذ من الطبيعيّ أن تقع مجموعة من المسائل والأحداث، من دون أن تكون لنا أيّة دخالة في ذلك؛ كأن يصير هنا شجار، وهناك عراك، وفي ذلك الشارع حادثة سير، وتلك المدينة سقوط للأمطار، وفي المدينة الأخرى هطول للثلوج مثلاً؛ لكن، ما هو شأننا نحن بسقوط الثلج والأمطار هنا وهناك، وبوقوع حادثة في الشارع؟ وهل إنّ اطّلاعنا على هذه المسائل يزيد فينا شيئًا؟ أو يجلب لنا نفعًا؟ وإلاّ، فلا إشكال في ذلك؛ إذ من الجيّد أن يسعى الإنسان العاقل إلى تحصيل كلّ ما فيه نفعه، لكن، إذا كان هذا الشيء لا توجد فيه أيّة منفعة، أليس من الأفضل ألاّ نشغل به أذهاننا؟ وبعد ذلك تحدّث السيّد القاضي عن السكوت؛ ففي بعض الموارد، يحصل الإنسان بواسطة هذا السكوت على حالات لا يُمكنه أن يُحصّلها من غيره؛ ثمّ توقّف رحمة الله تعالى عليه عن الكلام قليلاً؛ فسمعوا صوت طقطقة تأتي من الخارج؛ فقال لهم: حتّى هذه تلحق ضررًا بالسالك؛ أي مجرّد تلك الطقطقة؛ إذ من الممكن أحيانًا أن يكون السالك في حالة يتوجّب عليه فيها أن يكون مستغرقًا في نفسه، بحيث إنّ أدنى التفات يُؤدّي إلى حرمان هذا النفس من ذلك النور وتلك الجذبة؛ فلاحظوا هنا مقدار دقّة هذه المسائل؛ هذا، مع أنّ تلك الحالات لا تعود مرّة أخرى؛ وحتّى إذا عادت، فليس بتلك السرعة المطلوبة.
هذا، ناهيك عن أن يأتي الإنسان، ويرتكب معصية، حيث إنّ الأمر هنا يتعدّى مجرّد الطقطقة؛ وذلك كأن يغتاب أحدًا، أو يرميه ببهتان، أو يقضي ساعة من وقته في الكلام الذي لا طائل منه.. نرجو من الباري عزّ وجلّ أن يمنحنا جميعًا توفيق الشعور بآلامنا، لكي نعلم حينئذ ما الذي نقوله؛ وعلينا بأجمعنا أن نطلب هذا التوفيق منه سبحانه، وأن يهبنا الشعور ببؤسنا وآلامنا؛ فنحن الآن لا نحسّ بذلك، ونقول مع أنفسنا: لا يوجد لدينا أيّ نقص ولله الحمد! وجميع أمورنا جيّدة ومنتظمة، والجنّة في قبضتنا، والملائكة خاضعة لأوامرنا؛ ولهذا، فإنّ تلك المسائل لا تخصّنا نحن، بل ترتبط بأناس آخرين. وأمّا إذا أراد الباري عزّ وجلّ ـ لا قدّر الله تعالى! ـ أن يمنحنا ذلك الشعور والإدراك، وتعلّقت مشيئته بهذا الأمر، فإنّ الملامح سوف تتبدّل، والكلام سوف يتغيّر؛ وفي ذلك الحين، لن يكون بمقدورنا التفوّه بأيّ كلام، أو القيام بأيّ فعل كيفما كان.
