
معنى حقيقة العبوديّة
تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله تعالى نفسه الزكيّة في هذه المحاضرة عن المراد من العلم الحقيقيّ الذي يقي الإنسان من الانحراف؛ ليتوصّل إلى أنّ العبوديّة هي أوّل خطوة للظفر بهذا العلم؛ ثمّ يتناول بعد ذلك معنى حقيقة العبوديّة الواردة في حديث عنوان البصريّ، ويستعرض أقسام هذه العبوديّة، وكيفيّة الوصول إليها.
معنى حقيقة العبوديّة
12تزكية النفس وسيلة لتحقيق العبوديّة
يقول الإمام الصادق عليه السلام: عليك أوّلاً أن تكون عبدًا، فتسعى للتزكية؛ والتي من دونها، لا يُمكن للإنسان أن يحصل على ذلك النور؛ ولا فائدة من ذلك بتاتًا؛ إذ من المستحيل أن يرتكب الإنسان المعاصي، ثمّ يتوقّع من الله تعالى أن يهبه ذلك العلم؛ ومن المحال أن يرغب الإنسان في الدنيا وزخارفها، ثمّ يتوقّع أن يُضاء قلبُه؛ فهذا أمر مستحيل، ولا ينبغي أن نُفكّر فيه بتاتًا؛ لأنّ التفكير فيه هو بحدّ ذاته أمر زائد؛ ولهذا، فإنّه أمر محال جملةً وتفصيلاً؛ أي أنّه لا يحتاج إلى التفكير؛ فلا يُمكن أن يلهث الإنسان وراء المال والشهرة وتكديس الثروات وأمثال ذلك طلبًا للدنيا، ثمّ يتوقّع أن يستنير قلبُه، ويتمكّن من إدراك الحقائق؛ فهذا أمر مستحيل ومستعصٍ.
منزل دل نيست جاى صحبت اغيار *** ديو چو بيرون رود فرشته درآيد [يقول: ليس القلبُ مكانًا لاجتماع الأغيار؛ فإذا خرج الشيطان، دخلته الملائكة].
فلا يجتمع الشيطان والملك في قلب واحد، ولا يُمكن حلول حقيقتين متضادّتين في موضع واحد، ويستحيل وجود الظلمة والنور معًا في محلّ مشترك.
يقول العلاّمة رحمة الله تعالى عليه: في أحد الأيّام، كان أحد العظماء من أهالي مازندران يُقدّم وصايا لأحد أصدقائه كان يُريد التشرّف بزيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام؛ وحينما أراد السفر بقصد الزيارة، قال له: «بلّغ سلامي للإمام الرضا عليه السلام، وقل له إنّ لفلان حاجة عندك، فما هو جوابها؟»؛ هكذا، على نحو الإشارة! فقال العلاّمة رضوان الله تعالى عليه: فسافر ذلك الصديق، وذهب لزيارة عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، فبقي هناك بضعة أيّام؛ وبالمناسبة، فقد نسي الرسالة التي أمره ذلك العظيم بإيصالها إلى الإمام عليه السلام؛ إلى أن حلّ آخر يوم ذهب فيه للحرم المطهّر من أجل التوديع وقراءة زيارة الوداع؛ ففي تلك اللحظة، رأى بأنّ حاله تغيّر فجأةً، وأنّ الخدّام قد أتوا، وبدؤوا يقودون الناس إلى خارج الحرم؛ فلم يبق أيّ أحد منهم في الفضاء الدائريّ المحيط بالضريح وتحت قبّته؛ وظلّ هو واقفًا بذلك النحو. وحينما غادر الجميع، رأى فجأة بأنّ باب الضريح قد فُتح، وخرج منه الإمام الرضا عليه السلام، والتفت إليه قائلاً: «يا فلان! اذهب إلى رفيقك، وقل له:
