انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

معنى حقيقة العبوديّة

0
عنوان البصري
عنوان البصري
الجلسات

تحدّث سماحة آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله تعالى نفسه الزكيّة في هذه المحاضرة عن المراد من العلم الحقيقيّ الذي يقي الإنسان من الانحراف؛ ليتوصّل إلى أنّ العبوديّة هي أوّل خطوة للظفر بهذا العلم؛ ثمّ يتناول بعد ذلك معنى حقيقة العبوديّة الواردة في حديث عنوان البصريّ، ويستعرض أقسام هذه العبوديّة، وكيفيّة الوصول إليها.

معنى حقيقة العبوديّة

10
  • فيوجد تعالى بعض الأمور التي تفضي بالإنسان لأن ينسى قضاياه الخاصّة.. هل تعلمون ماذا تُشبه هذه المسألة؟ تُشبه تمامًا أن ينتاب الإنسان ألم، فينتبه إليه مباشرةً؛ وإذا ازداد هذا الألم، فإنّه يذهب عند الطبيب؛ لكن، لو أنّ أحدهم حقنه بمادّة مخدّرة حين ازدياد الألم، لذهب عنه الألم في الحين؛ ثمّ تمضي بعض الساعات بهذا النحو؛ إلى أن يبدأ الألم بالظهور تدريجيًّا؛ فما إن ينتبه الإنسان إلى أنّه ظهر مجدّدًا، حتّى يحقنوه مرّة أخرى؛ وهكذا، الحقنة تلو الحقنة؛ حتّى يتفاجأ بأنّ ذلك العضو قد فسد.. ذلك العظم مثلاً؛ وهذا هو معنى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ}؛ فلا ينبغي علينا أن نغفل عن هذه الآية أبدًا أيّها السادة! {وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ}؛۱ هل تعلمون ماذا يعني ذلك؟ يعني أنّه يُصيب الإنسان بالخدر؛ فما إن يبدأ بالإحساس بالألم قليلاً، حتّى يُرسل له مالاً؛ وما إن يتألّم قليلاً، حتّى يُنزل عليه نعمةً، أو يتسبّب في حصول أمرٍ ما، وهكذا، يُرسل، ويُرسل، إلى أن يأتي عزرائيل، ويقول له: «تفضّل معنا الآن!»؛ ومن هنا، لا ينبغي علينا أن ننخدع ببعض المسائل والأحداث؛ فهي بأجمعها عبارة عن حقن إلهيّة مخدّرة؛ إذ ما الذي يُريده الله تعالى من هكذا أمور؟ فهذا الذي يعنيه {خَيْرُ الْماكِرِينَ}؛ أي أنّه تعالى يبتلي الإنسان، بحيث يغفل تمامًا عن الألم والدواء في الوقت ذاته؛ فنبقى مُلتَهين بأنفسنا. يقول الله تعالى: إمّا أن يكون هذا مكاني أنا، أو مكانك أنت! إذا رغبت بأن يكون مكاني أنا، فلا ينبغي عليك أن تستعرض نفسك؛ وإذا أحببت أن يكون المدار على نوري أنا، فلا يجب أن يبقى لك أيّ وجود، أو أيّ استقلال؛ ولا يتعيّن أن يبقى لك أيّ رأي في مقابل رأيي أنا؛ فنحن لا نجتمع مع بعضنا.. يقول الله تعالى: لا نجتمع معًا؛ لماذا؟ لأنّ حقيقته الواحدة هي المتحقّقة فقط في عالم الوجود؛ أجل، يبقى أنّه تعالى يتحلّى بالإنصاف إلى درجة أنّه لو كانت هناك حقيقتان في عالم الوجود، لقال تعالى: علينا أن نُقسّم الأمور بيننا، بل سأهب لك ذلك النصف أيضًا! فلو كان هناك إلهان، أو ثلاثة أو عشرة آلهة، لما أشكل علينا الأمر؛ لكن، بما أنّ حقيقته الواحدة هي التي ملأت دار الوجود، فإنّه لا يبقى لغيره أيّ مجال؛ ومن هنا، إذا أتينا، وافترضنا لأنفسنا غيريّة في مقابله، فإنّ هذه الغيريّة لا تجتمع معه؛ ولهذا، ففي كلّ موضع يكون هو، فإنّ العبوديّة هي التي ينبغي أن تكون معه؛ والعبوديّة تعني تسليم كافّة الأمور والقضايا إليه.. إلهي، نحن لا نفهم ولا نعلم شيئًا، ولا نمتلك أيّ شعور أو إحساس، ولا نتوفّر على أيّ وجود أبدًا؛ فنحن لا شيء، ونحن متمحّضون في الفقر والفاقة والبؤس والشقاء؛ فهذا هو شأننا. فإذا رآنا الله تعالى بهذا النحو، وبأنّنا نشعر في وجودنا بأنّنا لا نمتلك شيئًا، ولا استقلال لنا أبدًا، وأنّنا لا نقول: «إلهي أنا في هذا المقام أفهم أحسن منك؛ فتشخيصي للأمور هنا هو بهذا النحو، وعملي هو بهذا الشكل»؛ ففي هذه الحالة، سيتقدّم هو؛ لأنّ المفروض أنّ المسألة منحصرة فينا نحن الإثنين: إمّا أنا أو هو؛ فالقضيّة مانعة الخلوّ، بل هي مانعة الخلوّ ومانعة الجمع في الوقت ذاته، أي أنّها منفصلة حقيقيّة؛٢ فهل يُمكن أن يكون لدينا عدد زوج وفرد في نفس الآن؟ من الواضح أنّه لا يُمكن؛ لأنّ العدد إمّا زوج أو فرد؛ فالصفر ليس بعدد، والواحد فرد، والإثنين زوج، والثلاثة فرد، والأربعة زوج؛ وهلُمَّ جرًّا. ففي هذه الحالة، هل يُمكنكم أن تعثروا على عدد يكون زوجًا وفردًا في نفس الوقت؟ محال! كما أنّه من المستحيل أيضًا أن تجدوا عددًا لا يكون زوجًا ولا فردًا في الوقت ذاته. إنّ حالنا مع الله تعالى هو بنفس هذا النحو؛ ففي كلّ موضع، إمّا أن يكون هو أو نكون نحن؛ فإذا لم نكن نحن، يكون هو، وإذا كنّا نحن، لا يكون هو؛ وبنفس المقدار الذي نكون فيه نحن، لا يكون فيه هو، وبنفس المقدار الذي يكون فيه هو، لا نكون نحن؛ وهذا هو معنى العبوديّة.

    1. سورة آل عمران، ذيل الآية ٥٤.
    2. المراد في علم المنطق من القضيّة مانعة الجمع هي القضيّة الشرطيّة المنفصلة التي لا يجتمع طرفاها في الإيجاب؛ كأن نقول مثلاً: «إمّا أن يكون الإنسان جالسًا أو قاعدًا»؛ إذ لا يُمكن أن يكون الإنسان جالسًا وقاعدًا في الوقت ذاته. وأمّا القضيّة مانعة الخلوّ، فهي القضيّة الشرطيّة المنفصلة التي لا يرتفع طرفاها في الإيجاب؛ مثال: «إمّا أن يعيش الحيوان داخل الماء أو خارجه»؛ لأنّه لا يخلو الحيوان من هاتين الحالتين. وأمّا القضيّة الحقيقيّة، فهي القضيّة الشرطيّة المنفصلة التي لا يجتمع طرفاها ولا يرتفعان في الإيجاب؛ نظير «إمّا أن يكون العدد زوجًا أو فردًا»؛ فلا يُمكن أن يكون العدد زوجًا وفردًا في نفس الوقت، ولا يُمكنه أيضًا ألاّ يكون زوجًا أو فردًا في الوقت ذاته. المعرّب