
حقيقة العلم الحصولي والعلم الحضوري
ما هو العلم الذي لا يمكن أن يحصل فيه خطأ؟ وهل جميع علومنا الحصولية صحيحة لا تحتمل الخطأ؟ لماذا لا يصح الاعتماد على المكاشفات والمنامات؟ كيف يمكن للعلم الحضوري أن يكون متّحداً مع الواقع؟ وما حقيقة العلاقة الباطنية بين المعشوقين؟ مواضيع تناولها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في هذه المحاضرة من شرح حديث عنوان البصري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى مرتبطة بها، وأمثلة على العلم الحضوري، رابطاً الإخبارات الغيبية للنبي بالعلم الحضوري، وأنّه لا بد في الولي والأستاذ الكامل أن يكون لديه علم حضوري.
حقيقة العلم الحصولي والعلم الحضوري
6الإخبار الغيبي للنبي بما جرى في حرب مؤتة من العلم الحضوري
في حرب مؤتة ـ حيث وقعت حرب بين المسلمين وبين طائفة من النصارى في منطقة مؤتة واستشهد فيها جعفر الطيّار وعبد الله بن رواحة مع بعض أصحاب النبي من الدرجة الأولى، وهناك مزار لهم اليوم في الأردن ـ عندما كان المسلمون يحاربون كان النبي يحدّث أصحابه بتمام ما يجري في تلك الحرب۱؛ فقال: الآن سقطت الراية من يد زيد بن الحارثة مثلاً، وتناولها عبد الله بن رواحة ـ لست متأكّداً من ترتيب الأسماء ـ ثم قال: لقد جرح الآن جعفر الطيار وسقطت على الأرض، وكان يذكر كل ما يجري على المسلمين وهم في مؤتة.. إلى أن قال: لقد انتصر المسلمون وفتح الله على أيديهم. وبعد مدّة عاد المسلمون فرأوا أنّ جميع أهل المدينة عالمون بتمام ما جرى في الحرب، وقيل لهم لقد أخبرنا النبي بما جرى عليكم تفصيلاً..
بأي شيء كان هذا النحو من إخبار النبي؟ هل أحضر الله له صورة فيها الأحداث؟ أم أنّه أحضر للنبي دفتراً فيه خبر ما جرى، فكان النبي يشاهد ويخبر بتلك الصور؟ هل كان الأمر كذلك؟ لو كان الأمر كذلك لأمكن فيه الاشتباه، حتما ليس الأمر كذلك! بل عندما يخبر النبي بهذا المطلب يكون نفس النبي مشاركاً في الحرب؛ يعني أنّ جميع ما جرى في هذه الحرب.. من جيش النصارى وجيش المسلمين وعبد الله بن رواحة وجعفر الطيّار وزيد بن حارثة.. جميع هذه الأمور كانت في وجود النبي عند نقله أخبار الحرب للمسلمين في المدينة، فكان النبي ينظر إلى نفسه وذاته، ثم يخبر الناس، وهذا الأمر لا اشتباه فيه. هذا هو العلم الحضوري.
أعمال الخضر كانت بالعلم الحضوري
أنقل لكم مثالاً على ذلك، في قصّة الخضر والنبي موسى ـ التي هي قصة عجيبة جداً ـ حصل اختلاف بين النبي موسى والخضر.. فكل منهما كان له شأن كبير، فالنبي موسى لديه معاجز اليد البيضاء والعصا التي تتحوّل إلى أفعى كبيرة، وكان من أنبياء أولي العزم، وقد أنزل الله عليه كتاباً وجعل له شريعة، وهو الذي أغرق فرعون وجنوده في البحر.. مثل هذا الشخص يريد أن يرافق الخضر، والحال أنّ الخضر كان يقوم بأعمال غير عادية وغير متعارفة؛ لو نظرنا إليها لقلنا عنها في الوهلة الأولى بأنّها خلاف الشرع وحرام! أليس خرق سفينة الغير حراماً؟! سنقول له هذا العمل المخرّب هو إضرار بمال الغير وأمثال ذلك! أما هو فلن يعيرنا سمعه أبداً، بل سيقوم بفعله ولو خالفه جميع الناس، سيحطّم السفينة بدم بارد، وسيقطع رأس الغلام دون أن يرف له جفن، وكأنّه لم يفعل شيئاً، وسوف يقوم بأمور يصعب علينا إدراكها ـ إن لم نقل باستحالة إدراكها ـ بسهولة، وذلك في محضر النبي موسى.. وهذا الفعل من الخضر كان فعله اليومي، لا أنّه فعل ذلك فقط أمام النبي موسى، بل كان قد قتل شخصين آخرين في مكان آخر، لكنّه قتل الغلام أمام النبي موسى فلم يتحمّل موسى ذلك واعترض عليه، فقال له أنا هكذا، {إنّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً}٢، وهذا يعني أنّني كذلك دائماً، اليوم رأيت منّي يا موسى هذا الفعل، لكنّك غداً سترى منّي ما هو أصعب؛ إذ من الممكن أن أقتل غداً طفلاً رضيعاً، لا في عمر العشر سنوات، {إنّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً} تدّل على الاستمرار في المستقبل، لن تستطيع يعني لا يمكنك أن تتحمّل ذلك، ولا قابلية لديك في هذا الأمر حتى تكون معي ومصاحبي دائماً، بل ستعترض عليّ وتقول هل هذا الطفل طير حتى تذبحه بهذا الشكل؟! فهذا الطفل معصوم لم يرتكب ذنباً، فكيف يمكنك أن تتصوّر هذا الأمر فضلاً عن فعله؟
- ـ قال جابر : فلما كان اليوم الذي وقعت فيه حربهم صلى النبي صلى الله عليه وآله بنا الغداة، ثم صعد المنبر فقال : " قد التقى إخوانكم مع المشركين للمحاربة " فأقبل يحدثنا بكرات بعضهم على بعض إلى أن قال : " قتل زيد وسقطت الراية ". ثم قال : " قد أخذها جعفر بن أبي طالب وتقدم للحرب بها ". ثم قال: " قد قطعت يده وقد أخذ الراية بيده الأخرى " . ثم قال : " وقطعت يده الأخرى وقد احتضن الراية في صدره " . ثم قال : " قتل جعفر وسقطت الراية ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة وقد قتل من المشركين كذا ، وقتل من المسلمين فلان وفلان " إلى أن ذكر جميع من قتل من المسلمين بأسمائهم .
ثم قال : " قتل عبد الله بن رواحة ، وأخذ الراية خالد بن الوليد وانصرف المسلمون". (الخرائج والجرائح، ج ۱، ص ۱٦٦) - ـ سورة الكهف، الآية ٦۷ظ
- ـ قال جابر : فلما كان اليوم الذي وقعت فيه حربهم صلى النبي صلى الله عليه وآله بنا الغداة، ثم صعد المنبر فقال : " قد التقى إخوانكم مع المشركين للمحاربة " فأقبل يحدثنا بكرات بعضهم على بعض إلى أن قال : " قتل زيد وسقطت الراية ". ثم قال : " قد أخذها جعفر بن أبي طالب وتقدم للحرب بها ". ثم قال: " قد قطعت يده وقد أخذ الراية بيده الأخرى " . ثم قال : " وقطعت يده الأخرى وقد احتضن الراية في صدره " . ثم قال : " قتل جعفر وسقطت الراية ، ثم أخذها عبد الله بن رواحة وقد قتل من المشركين كذا ، وقتل من المسلمين فلان وفلان " إلى أن ذكر جميع من قتل من المسلمين بأسمائهم .
