
حقيقة العلم الحصولي والعلم الحضوري
ما هو العلم الذي لا يمكن أن يحصل فيه خطأ؟ وهل جميع علومنا الحصولية صحيحة لا تحتمل الخطأ؟ لماذا لا يصح الاعتماد على المكاشفات والمنامات؟ كيف يمكن للعلم الحضوري أن يكون متّحداً مع الواقع؟ وما حقيقة العلاقة الباطنية بين المعشوقين؟ مواضيع تناولها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في هذه المحاضرة من شرح حديث عنوان البصري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى مرتبطة بها، وأمثلة على العلم الحضوري، رابطاً الإخبارات الغيبية للنبي بالعلم الحضوري، وأنّه لا بد في الولي والأستاذ الكامل أن يكون لديه علم حضوري.
حقيقة العلم الحصولي والعلم الحضوري
5وأما أنّ الإنسان في أي مرتبة من العلم يمكنه أن يطبّق مدركاته بشكل كامل مع تلك الواقعية الخارجية بنسبة مائة بالمائة؟ فنقول بأنّه يتحقّق ذلك عندما لا يكون أي تباين بين مدركات الإنسان وبين تلك الواقعية الخارجية، وذلك يحصل عندما يصير الإنسان عين تلك الواقعية الخارجية.
من كيم ليلى و ليلى كيست من *** ما يكي روحيم اندر دو بدن۱ [من أنا ومن تكون ليلى، نحن روح واحدة حلّت في بدنين اثنين]
العلاقة الشديدة بين المعشوق ومعشوقه من العلم الحضوري
يشير مجنون ليلى في هذه العبارة إلى هذه الواقعية، فيقول: بأنّ الحب والعشق قد يصل بالإنسان إلى أن لا يرى لشيئين إلا وجوداً واحداً، يعني كما أنّ الإنسان عندما ينظر إلى نفسه يرى أنّ لديه علوماً ويحفظ مثلاً هذا الشعر وهذا البيت الذي قرأته عليكم، فأنا أشعر بالحقيقة العلمية والصورة العلمية لهذا الشعر في وجودي، وهذا الأمر غير قابل للخطأ. نعم ممكن أن يكون نفس الشعر خطأ، ومن الممكن أن أكون مشتبهاً في حفظي للشعر؛ فبدلاً من كلمة "ما" أقرأ "من"، أو بالعكس، لكن الشعر الذي في ذهني الآن لا يقبل الخطأ أصلاً، فلو لم يكن لديّ ذلك لما استطعت أن أقرأ لكم شيئاً، إذ لا يوجد شيء أمامي لأقرأه لكم، بل أقرأ ما في ذهني. فهذه الحقيقة لها واقعية في نفسي. فأنا الآن أشاهد وجود غرائز في نفسي؛ غريزة الغضب وغريزة الشهوة وغريزة التفكير والإحساس وسائر الغرائز الأخرى التي يجدها أي إنسان في وجوده؛ سواء شعر بها بعد تأمّل أم بدون تأمّل، فهذه الأمور موجودة في نفسه. فإذا استطعت أن تدرك وتشعر بشخص آخر في وجودك كما تشعر بهذه الغرائز والأمور في نفسك ووجودك، تكون قد علمت به علماً حضورياً.
العلم الحضوري هو اتحاد نفس الإنسان بالمعلوم وبتلك الحقيقة الخارجية فيصير معها أمراً واحداً. لذا عندما قال مجنون ليلى: "نحن روح واحدة حلّت في بدنين" لم يكذب في ذلك، بل قال الحقيقة التي يشعر بها. يعني عندما ينظر مجنون ليلى إلى نفسه لا يرى أنّ وجود ليلى مقابل لوجوده، بل يرى ليلى في قلبه وفي سرّه ونفسه، فلا يذهب ليبحث عنها هنا وهناك، بل وجوده صار متّحداً مع تلك الحقيقة الخارجية. هذا هو العلم الحضوري، وهذا العلم الحضوري لا خطأ فيه. لذا ينظر في نفسه ويخبر عمّا يجري على ليلى، ويقول: لقد سقطت على الأرض الآن.. فهو يرى هذا المطلب في وجوده وفي نفسه، لقد شاهد في نفسه أنّ ليلى سقطت على الأرض، وهكذا حينما يقول لقد استيقظت ليلى من نومها، أو أنّها تأكل، أو تصلّي، فجميع هذه الحالات موجودة في نفسه وذاته.
- ـ مثنوي معنوي، الدفتر الخامس، ص ٤۷٢.
