
حقيقة العلم الحصولي والعلم الحضوري
ما هو العلم الذي لا يمكن أن يحصل فيه خطأ؟ وهل جميع علومنا الحصولية صحيحة لا تحتمل الخطأ؟ لماذا لا يصح الاعتماد على المكاشفات والمنامات؟ كيف يمكن للعلم الحضوري أن يكون متّحداً مع الواقع؟ وما حقيقة العلاقة الباطنية بين المعشوقين؟ مواضيع تناولها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني في هذه المحاضرة من شرح حديث عنوان البصري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى مرتبطة بها، وأمثلة على العلم الحضوري، رابطاً الإخبارات الغيبية للنبي بالعلم الحضوري، وأنّه لا بد في الولي والأستاذ الكامل أن يكون لديه علم حضوري.
حقيقة العلم الحصولي والعلم الحضوري
3عدم حجيّة خبر الواحد في الأمور الاعتقادية
بناء على هذا الأمر، لا يمكننا أن نعتمد ونثق بشكل كامل بما ينقله الآخرون من أمور، خصوصاً إذا كانت المطالب المنقولة على أهمية عالية جداً. لهذا السبب، وطبقاً للموازين والمباني الأصولية، لا يعتبر خبر الواحد حجّة في الأمور الاعتقادية، أما في الأحكام الجزئية والشرعية فيمكننا العمل بخبر الواحد على أمل أن يكون صحيحاً، بخلاف المسائل الاعتقادية وخصوصاً في الموارد التي قد يؤثّر زيادة حرف أو نقصانه في قلب معنى الكلام من أساسه وإعطاء معنى آخر، فعندئذٍ يستحيل عقلاً أن يعتمد الإنسان على خبر الواحد، ولو كان المخبر ثقة.
هذه الأمور إنّما كانت كذلك بسبب أنّ علمنا الحصولي يقبل الضعف والشدّة بحسب اختلاف الأسباب الظاهرية والمادية، فتنعكس تلك الأمور على هذه الموارد فتحصل هذه الاختلافات. وهذا الأمر كذلك مرتبط بقوانا ومدركاتنا الباطنية؛ بمعنى أنّ الإنسان لديه قوّة خيال، ولديه القوّة العاقلة والقوّة الحاسّة والقوّة الغاضبة والشهوة، فهذه القوى التي للإنسان تؤثّر على أموره وقضاياه الباطنية، لا الظاهرية. وعلى أساس تلك التأثيرات يحصل لنا صور نراها إما في المنام أو في المكاشفة بمراتبها المختلفة.
السبب في عدم صحة الاعتماد على المنامات والمكاشفات
وبما أنّ معلوماتنا الحصولية تقبل الخطأ والصحة ـ كما ذكرنا ـ ولا يمكننا الاعتماد عليها والوثوق بها، كذلك لا يمكننا الوثوق أيضاً بمدركاتنا الحصولية التي تحصل للإنسان بشكل صُوَر ومعاني؛ لاحتمال وجود اختلال فيها. من هنا يعتبر الاعتماد على المنامات والمكاشفات من أخطر المهالك التي قد يقع فيها سالكو الطريق إلى الله؛ وذلك لأنّ قابلية تشخيص الصحيح من السقيم في هذه الصور التي تحصل للإنسان في غاية الدقّة، ولأنّ نفس الإنسان سريعة التأثّر بتلك العلل والأسباب التي تتحكّم بها. وبناء على ذلك، فكيف يمكن للسالك أن يعتمد على الصورة التي يراها ويحكم عليها بأنّها واقعية، أو يحكم عليها بخلاف ذلك؟! لذا نرى أنّ جميع العظماء من صدر الإسلام وقبل الإسلام إلى زماننا هذا يحذّرون الناس من العمل على أساس المدركات الذهنية وترتيب الأثر عليها. ولهذا السبب نصب الله تعالى ـ بالإضافة إلى جعله العقل المتّصل الموجود مع كل إنسان، والذي من خلاله يمكنه أن يشخّص الطريق الأحسن ضمن سعته الوجودية وظرفيّته ـ لنا عقلاً منفصلاً بعنوان رسول ونبي وإمام عليهم السلام۱، أو وليّ، بحيث يكون كلامهم وأوامرهم حجّة على الناس. نعم، سوف نتحدّث حول هذه المطالب لاحقاً بشكل مفصّل إن شاء الله، وذلك عندما نصل إلى العبارة التي تتحدّث عنها في رواية عنوان البصري.
- ـ الكافي، ج ١، ص ١٦: "عن هشامِ بنِ الحَكَم، قال: قال لي أبو الحسنِ موسَى بنُ جعفرٍ عليه السّلامُ:" ... يا هشامُ، إنَّ لِلّهِ علَى النّاسِ حُجّتين، حجّةً ظاهِرةً و حُجّةً باطِنةً؛ فأمّا الظّاهرةُ فالرّسُلُ و الأنبياءُ و الأئِمّةُ عليهمُ السّلامُ، و أمّا الباطِنةُ فالعُقولُ ....".
