
انقسام العلم إلى العلم الحصولي والعلم الحضوري
هل يمكن لمن لديه نور من الله أن ينحرف؟ ما معنى العلم الحصولي والعلم الحضوري؟ وهل يمكن للسالك أن يعتمد على أي خبر يصله دون التثبّت والتفحّص؟ وهل العلم الحضوري هو نفس الرؤيا والمكاشفة؟ أسئلة أجاب عليها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى مرتبطة من قبيل أنّ الذي يأخذ بيد السالك ينبغي أن يكون لديه علم حضوري، وغيرها من المواضيع
انقسام العلم إلى العلم الحصولي والعلم الحضوري
13وبناء عليه الآن يمكننا أن نفهم كلام أمير المؤمنين عليه السلام حينما يقول:
أتزعم أنّك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر لذا عليك أيها الإنسان أن تغوص في عالم نفسك وتتحدّ به، وأن تصاحبه، عليك أن ترى ذاك الوجود في نفسك! من الممكن أن يكون لدى شخص معلومات معيّنة في ذهنه فيغفل، لكن يأتون إليه ويذكّرونه، ويقولون له لقد درست وقرأت، ولديك هذه الاستعدادات والقابليات فيمكنك أن تصل إلى هناك، فقط عليك أن تشدّ الهمة وتعمل لكي تصل إلى ما هو موجود في ذاتك. فمن يعمل بذلك ويتعلّم ويمرّن نفسه ويروّضها تظهر ـ شيئاً فشيئاً ـ جميع تلك القابليات الموجودة في نفسه، ومن لا يعمل ولا يعتني بتلك التوجيهات تغطّى تلك الاستعدادات الموجودة في نفسه وتحجب عنه، فتصير وكأنّها سترت بستارة لا يمكنه الوصول إليها بعد ذلك.
أتزعم أنّك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر يعني أنّك تعتقد نفسك بأنّها عبارة عن هذه الأعصاب والدماغ والعظام والجهاز الهضمي والقلب والدم، فقط هذا! كلا يا عزيزي! بل في وجودك عالم كبير لا تعلم عنه شيئاً.
ينقل المرحوم العلامة في كتابه الروح المجرّد بأنّه عندما توفي أحد أحفاد المرحوم السيد الحداد، قال: لقد كنت أظنّ بأنّ هذا طفل صغير، وفجأة رأيت روحه تكبر وتكبر وصارت عظيمة؛ بحيث شملت عظمتها شرق العالم وغربه.. هذا يعني أنّ روحه قد اتحدت بتمام ظواهر عالم الوجود، وصارت جزءاً من وجوده، هذا هو معنى وفيك انطوى العالم الأكبر.
العلم الحضوري هو الإحاطة الوجودية بالمعلوم لا الاطلاع التصوري
يعني أنّ ذاك النور الاسبهدي ـ الذي ذكره المرحوم العلامة في رسالة لب اللباب ـ الذي هو حقيقة النور الذي يشمل جميع عالم الوجود هو عبارة عن هذا العلم الحضوري، وهذا العلم الحضوري عبارة عن الإحاطة والسيطرة الوجودية على الجميع، لا مجرّد الاطلاع والمعرفة التصوّرية والصورية. مثلاً حينما أنظر إلى السيد شيباني الجالس بجانبي، فالذي أعرفه منه هو ما تشاهده عيني منه الآن، وهذا الأمر يمكن أن يحصل من خلال تصوير الكاميرا للوجه والعين والفم والشعر وتمام خصوصيّات الشخص، لكن هل يمكن لهذه الكاميرا أن تدخل في تخيّلاته وصوره الذهنية وتصوّرها لنا؟! لا يمكنها ذلك! أقصى ما يمكنها أن تفعل هو أن ترسل أمواجاً وتبيّن لنا بعض خصوصياته الداخلية وكيفياته.. لكن هل يمكن للكاميرا أن تبيّن لنا غرائز الإنسان وتصوّرها لنا؟ لا يمكن أن تصوّر هذه الأمور وتعرضها على الورق! وكذا حالات الإنسان وخصوصياته النفسانية لا يمكن أن تسطّر على الورق. أما إذا أردتُ أن أعلم به علماً حضورياً فسوف أدخل إلى داخل بدنه وأتجاوزه إلى نفسه وإلى عالم صورته ومثاله، وإلى سرّه وباطنه حتى أصير السيد شيباني نفسه! هذا هو العلم الحضوري. فالأولياء والعظماء الذين لديهم علم حضوري، علمهم الحضوري هذا عبارة عن وجودهم ضمن تلك الوجودات الخارجية، فعندما يصيرون عينها فلن يكون هناك إمكان للخطأ، إذ كيف يمكن أن يخطئ أو يشتبه في هذه الحالة؟
