
كيفية تنزل العلم في مراتب الوجود
هل يمكن لأي إنسان أن يدرك بالظاهر حقائق الأمور؟ وهل يمكن بالتعلّم أن يصل إلى المعرفة الواقعية للعلوم؟ كيف أنّ الأمور تتنزل من قبل الله تعالى في الأمور كلها؟ ما معنى الزبد وما ينفع الناس الواردة في الآية القرآنية أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؟ ما نسبة الحقائق التي توصّل إليها الإنسان في علم الطب؟ هي مواضيع أجاب عليها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، كما تناول مواضيع أخرى مرتبطة بها
كيفية تنزل العلم في مراتب الوجود
9هذا {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً}، وأما {مَا يَنْفَعُ النَّاسَ} فعليك أن تعلم بأنّه أتى من مكان آخر! فهذا الذي ليس له وجود الآن بيننا، هذا العلم وهذه القدرة كلّها ذهبت، والذي بقي هو المعرفة التي كانت خلف هذه القضية؛ وهي {مَا يَنْفَعُ النَّاسَ}. ذاك الذي يكون منه هو {مَا يَنْفَعُ النَّاسَ} هو الذي يبقى، يبقى لمن يريد أن يعتبر؛ {وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ}، وإلا فابن سينا ذهب ودفن وانتهى أمره، وكل علم كان معه انتهى بموته.
{أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماء} الماء هو القدرة، فإذا رفعتُ هذا الكتاب بوزن ثلاثمائة غرام أو نصف كيلو، فهذا ليس خيالاً بل هو أمر واقعي، فهذه قدرة، هذه {أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماء}، أين الزبد في هذه القضية؟ الزبد فيها هي أن أقول: أنا لديّ هذه القدرة! هذا هو الزبد، وهذا هو الفقاعات، هو نسبة هذه القدرة إليّ أنا. فقولي أنا الذي أستطيع أن أرفع الكتاب هو الزبد، وهذا لا بد أن يذهب. مثلاً تأتي جرثومة إلى جسم هذا الرجل الذي كان بإمكانه أن يرفع وزن ثلاثمائة كلغ وتجعله عاجزاً عن رفع يده ودفع ذبابة عن وجهه، هذا هو {فَيَذْهَبُ جُفَاءً}. فأين تلك القدرة التي كنت تستطيع أن ترفع بها ثلاثمائة كلغ؟ أين ذهبت؟ لقد ذهبت بجرثومة صغيرة جداً لا ترى إلا بعد أن تضعها تحت مجهر يكبّرها مئات آلاف المرات، هذه الجرثومة الصغيرة تلقي بهذا الجسم الكبير على الأرض.
نظرة الإمام علي عليه السلام التوحيدية عند موته
عندما حضرت الوفاة أمير المؤمنين عليه السلام قال للناس: أيها الناس تعالوا وانظروا إلى علي الذي قلع باب خيبر، كيف صار عاجزاً.. كانوا قد عصّبوا رأسه بقطعة صفراء، ولم يكن يعرف أيهما أشدّ اصفراراً العصبة أم وجهه المبارك! لأنّ ابن ملجم كان قد سمّم السيف الذي ضربه به وسرى السم في جسم الإمام بحيث لم يكن قادراً على رفع يده! هذا علي لم يعد قادراً على رفع يده، فكانوا يمسحون عرق جبينه بخرقة! حين وفاته كان يعطي الناس درساً، ذاك الذي طرح عمرو بن عبد ود ـ الذي كان يحمل فصيل الناقة بيده ـ أنظروا إليه بأي وضع هو. يقول: قد حصل هذا الأمر لي وأنا الإمام، فانتبهوا أنتم على أنفسكم! لماذا؟ لأنّ التوحيد لا يعرف إماماً من غير الإمام! فالله يقول: انظروا هذا أمير المؤمنين الذي يشير إلى الشمس فتعود، لديه زبد، وهو ما نراه نحن منه. أمير المؤمنين يقول: أنا مثل سائر الناس؛ علمي هو علم الله، وقدرتي هي قدرته وحياتي هي حياته، فإذا أردتم أن تنظروا إليّ أنا، فأنا ممن {يَذْهَبُ جُفَاءً}، أنا راحل عنكم، وبعد ساعة سأدفن! نفس أمير المؤمنين الذي كان يشير إلى الشمس فيعيدها دفن تحت التراب وانتهى! لكن كان هناك أمير المؤمنين آخر ثابت، ليس لدينا نحن، وذلك {أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْض}، يعني أنّ ما ينفع الناس كان عند أمير المؤمنين، أما نحن فليس لدينا ذلك. لذا لا يفرق الأمر بالنسبة إليه حين قلع باب خيبر، فيقول: هو الذي قلعه، وحين يتغلّب على الأعداء، يقول: هو الذي تغلّب.. يقوم بجميع الأفعال؛ يزرع النخيل ويحفر الآبار ويشق القنوات ويقول: هو الذي فعل! أما نحن فنقول: أنا الذي فعلت!
