
كيفية تنزل العلم في مراتب الوجود
هل يمكن لأي إنسان أن يدرك بالظاهر حقائق الأمور؟ وهل يمكن بالتعلّم أن يصل إلى المعرفة الواقعية للعلوم؟ كيف أنّ الأمور تتنزل من قبل الله تعالى في الأمور كلها؟ ما معنى الزبد وما ينفع الناس الواردة في الآية القرآنية أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؟ ما نسبة الحقائق التي توصّل إليها الإنسان في علم الطب؟ هي مواضيع أجاب عليها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، كما تناول مواضيع أخرى مرتبطة بها
كيفية تنزل العلم في مراتب الوجود
5بيان الزبد الذي يذهب جفاء في العلوم
يوجد لدينا جانب ظاهري وجانب آخر علمي، ففي الجانب الظاهري لا فرق بين جميع هذه العلوم؛ إذ علم الطب مسؤوليته تشخيص المرض ثم وصف الدواء له، ونحن نرى تحقّق هذا الأمر في الخارج، وقد ثبت ذلك بالتجربة، فإذا حصل وجع رأس لأحد يوصف له قرص مسكن فيتحسّن، وإذا حصل له وجع قلب مثلاً يوصف له الدواء الفلاني، وهكذا بالنسبة إلى سائر الأمراض الأخرى يوصف له الدواء ويحصل على النتيجة، وقد أثبتت التجربة صحة ذلك، إذ بناء الطب على التجربة. وعلم الرياضيات والكيمياء هكذا. وكذلك الفقه؛ حيث إنّ الفقه هو المسؤول عن بيان أفعال المكلّفين؛ فيقول: افعل هذا، ولا تفعل ذلك، وهذا حلال أو حرام، ذاك مستحب أو مكروه. والفلسفة هي المسؤولة عن معرفة الوجود والكون، وهي التي تعنى بالإجابة على أنّ ما نراه في العالم هل هو واقع أم لا؟ وهل الماهية هي الأصيلة أم الوجود؟ وما هي العلاقة بين المخلوق والخالق؟ وكيف يصدر المخلوق المادّي من الخالق المجرّد؟ وما هي العلاقة بين المجرّد والمادّي؟ فالفلسفة هي المعنيّة بالإجابة على أمثال هذه المسائل والإشكالات. فكل علم يقوم بالإجابة على أمور خاصّة به. هذه الأمور هي {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً}.
الله تعالى هو مصدر أي علم عند الإنسان
الله تعالى هو الذي أنزل هذه العلوم على الإنسان، أليس كذلك؟ فإذا فرضنا أنّه ليس لديك حافظة فهل يمكنك أن تحصل على علم؟ فكل ما تقرأه سيكون مثل الشريط المسجّل الذي يمحى بعد التسجيل، سوف يمحى من ذهنك تماماً؛ تقرأ من الليل إلى الصباح، لكنّك كأنّك لم تقرأ شيئاً، أو تذهب من الصباح إلى المساء إلى الدرس لكن عندما تستيقظ في الصباح ترى أنّه لم يبق شيء في ذهنك، وهكذا. وعليه فلا يمكن للإنسان أن يصل إلى مرتبة علمية من دون حافظة، وكذا لا يمكنه ذلك من دون استعداد، وكذا بدون حدّة الذهن، وكذا بدون الإمكانات الخارجية. فإن كان لدى شخص حافظة جيدة واستعداد عالي ولكن كان لديه موانع خارجية؛ كأن يكون لديه وجع قلب أو وجع رأس دائم، فهل يمكن أن يتعلّم شيئاً؟ لا يمكنه! كل هذه الأمور بيد من؟ من الذي أعطاك الحافظة؟ هل أتيت بها من عندك؟ من أين جئت بالاستعداد؟ من الذي رفع عنك الموانع الخارجية؟ فمهما كان لديك استعداد لن تصل إلى شيء، حتى لو كان لديك حافظة قوية جداً كحافظة ابن سينا، مهما كان لديك من قدرات ـ كما ينقل عن بعضهم، مع غض النظر عن صحته أو عدم صحته ـ فقد كان هناك ولا يزال أشخاص لديهم استعداد غير طبيعي.. فما لم ترتفع الموانع ويكون هناك مقتضي، لا يمكن للإنسان الوصول إلى شيء. فحتى لو كان لديه جميع الاستعدادات، لكن لم يكن لديه كتاب يرجع إليه ويقرأ فيه، فلا فائدة فيها، أو لم يكن لديه أستاذ يسأله عن الإشكالات التي تحصل لديه. فمن أين أتت هذه الشروط والظروف؟ هل أتت هذه التوفيقات للإنسان من غير المبدأ الأول والملأ الأعلى؟ هذا هو {أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً}.
