
نورانية العلوم هو في جعل الغاية منها هو الله تعالى
تعريف المحاضرة: هل يعتبر مراعاة المؤمن في كل حال، وهل يصح كسر قلب المؤمن للقيام ببعض الأعمال الظاهرين؟ ما معنى بناء أعمال الناس على أساس الظن لا العلم؟ وهل هناك علوم لا تنفع ولا تضر؟ وكيف يمكننا أن نجعل العلوم التي نتعلّمها لله؟ وهل يمكن استخدام العلوم الإلهية في سبيل الوصول إلى مطالب دنيوية؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى تناولها سماحته فيها؛ حيث تعرّض إلى أن ما يلقيه من مطالب هو مما سمعه من الأولياء، واستعرض بعض القصص من الأولياء التي فيها تطبيق عملي للمباني العرفانية والسلوكية.
نورانية العلوم هو في جعل الغاية منها هو الله تعالى
11قال المرحوم العلامة رضوان الله عليه لي: "اعلم يا فلان بأنّه لو لم أصرف تلك العشر سنوات في دراسة الهندسة لكان علمي الآن ضعف ما هو عليه". وحقيقة المسألة برأيي هي هكذا، نعم من بعض الجهات لها فوائد، لكن كلامنا في التدقيق الزائد والتحقيق المطوّل في هذه الأمور والتي كانت تنال إعجاب وتشجيع في ذلك الزمان ـ مع غض النظر عن خصوصياتها ـ ليس فيه أي منفعة علمية أو دينية أو تربوية تعود عليه، وحقيقة الأمر كذلك. لذا فالعلم المفيد للإنسان هو العلم المقرِّب من الله، ذاك العلم من الناحية القيمية هو العلم المقدّم على سائر العلوم وهو العلم الإلهي؛ العلم بمبادئ المبدأ والمعاد، وهو العلم الذي يبيّن للإنسان حقيقة عالم الوجود. هذا من جهة قيمة العلم ومكانته. فنفس العلم ينبغي أن يكون مشتملاً على آثار وقيم.
كيفية الجمع بين الحاجة إلى العلوم الدنيوية واختيار العلوم الإلهية
ومن جهة أخرى نرى أنّ بعض هذه العلوم ضرورية؛ فعلم الطب أمر لازم، وعلم الهندسة أمر لازم، وكذا سائر العلوم الأخرى لازمة. فماذا نفعل بها؟ ففي الحقيقة الناس يمرضون.. ألم يكن هناك أطباء في عصر الأئمة عليهم السلام؟ ألم يكن هناك مهندس؟ ألم يعلّم نفس الإمام الصادق عليه السلام هذه العلوم لأصحابه؟ ألا يوجد لدينا أحاديث عن سائر الأئمة عليهم السلام في هذه المسائل؟ فهذه الأمور إذن صحيحة. لكن المراد من كلام النبي الأكرم هو أنّه لو كان للشخص قدرة واستعداد في اختيار الأفضل فعليه أن يختار هذا الطرف دون ذاك، أما إذا لم يكن الأمر كذلك، بأن كانت حاجة المجتمع مثلاً تقتضي التخصّص في بعض هذه العلوم، كما هو الحال في هذه الأيام حيث يحثّون بعض الأشخاص على اختيار بعض التخصّصات التي يحتاجها المجتمع! أليس لدينا في الدولة الإسلامية بأنّه ينبغي أن يكون المسلمون الأقوى في العدد والعدّة؟ فهذه العدّة والعدد لا تتحقّق من دون تجربة علمية، إذ كيف يمكن تحقيقها لولا ذلك؟ {وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}۱، من دون القوّة لا يمكن للإنسان أن يحصل على التفوّق، فالقوّة والاستعداد في كل علم من لوازم تفوّق المجتمع الإسلامي، وينبغي على المسلمين أن يحصّلوا هذا التفوّق من جميع الجهات، ولا يتركوا مجالاً لنفوذ الآخرين في البلاد الإسلامية ـ وبالأخص البلاد الشيعية ـ في المسائل العلمية والمسائل العملية والإجرائية، وكون المسلمين بهذا الشكل هو الذي يقتضيه جامعية الإسلام. فكيف يمكن للمسلمين أن يتفوّقوا على سائر الملل والشعوب وهم محرومون من أبسط الوسائل والأمور، بحيث لا يقدرون أن يقفوا في وجههم بالشكل المقبول والمتعارف؟ لا يمكن ذلك أبداً! لذلك، من الجهة الاجتماعية ينبغي على المسلمين أن يحوزوا أعلى مرتبة من العلوم المعاصرة وينالوا التفوّق العلمي والعملي فيما يرتبط ببلاد المسلمين. ولا شك في ذلك. لكن كلامنا في قيمة نفس العلم، لا ما تقتضيه الضرورة الاجتماعية! فلدينا بحثان؛ أحدهما ما تقتضيه الضرورة، وهنا على الإنسان أن يلاحظ تلك الضرورة، فيقوم بهذا العمل أو هذه الدراسة، والثاني هو قيمة نفس العلم.
- سورة الأنفال، صدر الآية ٦۰.
