
دراسة تحليليّة لتعامل الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصريّ
تحلّل هذه المحاضرة أسباب وأهداف عدم استقبال الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصري في البداية وتختصرها بأمور: أولاً: أن يدرك عنوانُ قيمة المطالب التي ستلقى إليه لأنّ طبع البشر التهاون فيما ينالونه بسهولة، والتمسّك فيما ينالونه بصعوبة. ثانيًا: أن يصحّح ارتباطه بالإمام عليه السلام ويعرف أنّه يتعاطى مع رجل لا كالرجال وأنّه لا غنى له عنه لما له من ولاية ووساطة في الفيض. ثالثًا: أن يصبر على التجلّيات الجلاليّة التي لا بدّ منها للسلوك، ولا يتراجع لأول عارض مما لا يرغبه، ويأتي من جديد مستعدًّا لتلقّي المعارف. كما بيّنت المحاضرة في أثناء الحديث عن تلك النقاط فلسفة الغيبة لصاحب الزمان عليه السلام (مستشهدة بقصة الشيخ علي الحلاّوي) وفلسفة الخيانة عند بعض أصحاب الأئمّة كأمير المؤمنين والحسن، والثبات عند البعض الآخر وخصوصًا أصحاب الحسين عليه السلام. حيث جعلت فلسفة ذلك في الجهل بمقام الولاية أو معرفته. كما تناولت بالبيان بعض قواعد السلوك: كعدم الاقتصار على معرفة الطريق والأستاذ، وعدم أهميّة كيفيّة السلوك واحتوائه على مكاشفات وإدراك انفتاح الأبواب أو عدم ذلك، مستشهدة لذلك بسيرة الآخوند الملا حسين قلي الهمداني الذي لم يدرك انفتاح الباب له إلا بعد أكثر من عشرين سنة من المجاهدة.
دراسة تحليليّة لتعامل الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصريّ
13عدم كفاية الكون في الطريق ومعرفة الأستاذ
ومن جهة أخرى فإنّ الخطأ الخطير للبعض هو أنّهم يعدّون أنّ الأمر قد انتهى بمجرّد هذا التفكير، ويتركون العمل بالمطالب ولا يبالون بالنتائج، وهذا ما يؤدّي إلى توقّفهم.
صحيح أنّ الهمّ الأساس للسالك هو السلوك، ويجب أن يكون كلّ فكره وهدفه أن يجعل هذا العمر المؤلّف من يومين مؤدّيًا إلى الغاية والكمال، وأن يصرف حياته في سبيل تكامل الاستعدادات وإيصالها إلى الفعليّة على أحسن نحو، ولكنّ المهم أنّ كونه في هذا الطريق لا يعني أنّ الأمر قد انتهى، بل لا يزال الأمر في بدايته! وهذا أمر صرنا غافلين عنه.
نحن إلى الآن فهمنا ممّا قاله الأعاظم من أنّ «من عثر على الأستاذ طوى نصف الطريق.»۱ فهمنا أنّ الأمر قد انتهى، ولكنّ الأمر ليس كذلك، فبعد أن وصلنا إلى الطبيب لا بدّ أن نعمل بوصفته.
فمن يطوي الفراسخ للوصول إلى طبيب متخصّص وبعد أن يراه يترك وصفته على الطاولة ويعود إلى مدينته هو جاهل جدًّا! وهذا خطأ نحن مبتلون به. فكافّة الأشواق والاهتمامات والمجاهدات التي يتحمّلها الإنسان للوصول إلى طريق الله ينبغي أن تكون باعثًا على الشروع في الحركة عندما يحصل السالك على الأستاذ.
عدم الفوريّة في شعور السالك بالوصول إلى الكمال
إنّ التعظيم الذي كان المرحوم العلاّمة يعظّم به المرحوم الآخوند الملاّ حسين قلي الهمداني الدرجزيري الهمداني واضح جدًّا من عباراته إذا ما قورن بسائر الأولياء والعرفاء، فإحدى عباراته كانت أنّه: «كان يختلف عن الآخرين ونحن جميعًا نعيش على فتات مائدة الآخوند الملا حسين قلي. لقد كان بحرًا لا نهاية له ولا قعر.»
لقد كان المرحوم الآخوند الملا حسين قلي رجلاً عجيبًا. لقد ظهر عنه ثلاثمائة تلميذ كان كلّ واحد منهم نجمًا لامعًا في سماء التربية والهداية.
لقد كان المرحوم العلامة يعظّمه تعظيمًا عجيبًا وحتّى كان ينظر إلى ذريّته بعين التعظيم، وكان يعظّم كثيرًا بعض أقاربنا من جهة الأب الذين لهم صلة نسب مع المرحوم الآخوند الملا حسين قلي الهمداني؛ وذلك بسبب جدّهم.٢
وفي يوم من الأيّام نقل المرحوم الوالد هذه القضيّة للمرحوم آية الله الشهيد مرتضى مطهّري وآخرين:
- . رسالة السيروالسلوك المنسوبة إلى بحرالعلوم، ص ٢٣٢، الهامش:
« وكان المرحوم القاضي يقول: لو صرف طالب سلوك طريق الله نصف عمره في التفحّص و البحث من أجل العثور على أُستاذ يدلّه في طريقه، كان محقّاً.
وكان يقول: مَن عثر على الاستاذ، طوى نصف الطريق.» - . لمزيد من الاطلاع على أحوال المرحوم آية الحقّ و اليقين الآخوند الملّا حسين قلي الهمداني قدّس الله نفسه الزّكيه، راجع مطلع انوار، ج ٣، ص ٣۸- ٤٦.
- . رسالة السيروالسلوك المنسوبة إلى بحرالعلوم، ص ٢٣٢، الهامش:
