
دراسة تحليليّة لتعامل الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصريّ
تحلّل هذه المحاضرة أسباب وأهداف عدم استقبال الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصري في البداية وتختصرها بأمور: أولاً: أن يدرك عنوانُ قيمة المطالب التي ستلقى إليه لأنّ طبع البشر التهاون فيما ينالونه بسهولة، والتمسّك فيما ينالونه بصعوبة. ثانيًا: أن يصحّح ارتباطه بالإمام عليه السلام ويعرف أنّه يتعاطى مع رجل لا كالرجال وأنّه لا غنى له عنه لما له من ولاية ووساطة في الفيض. ثالثًا: أن يصبر على التجلّيات الجلاليّة التي لا بدّ منها للسلوك، ولا يتراجع لأول عارض مما لا يرغبه، ويأتي من جديد مستعدًّا لتلقّي المعارف. كما بيّنت المحاضرة في أثناء الحديث عن تلك النقاط فلسفة الغيبة لصاحب الزمان عليه السلام (مستشهدة بقصة الشيخ علي الحلاّوي) وفلسفة الخيانة عند بعض أصحاب الأئمّة كأمير المؤمنين والحسن، والثبات عند البعض الآخر وخصوصًا أصحاب الحسين عليه السلام. حيث جعلت فلسفة ذلك في الجهل بمقام الولاية أو معرفته. كما تناولت بالبيان بعض قواعد السلوك: كعدم الاقتصار على معرفة الطريق والأستاذ، وعدم أهميّة كيفيّة السلوك واحتوائه على مكاشفات وإدراك انفتاح الأبواب أو عدم ذلك، مستشهدة لذلك بسيرة الآخوند الملا حسين قلي الهمداني الذي لم يدرك انفتاح الباب له إلا بعد أكثر من عشرين سنة من المجاهدة.
دراسة تحليليّة لتعامل الإمام الصادق عليه السلام مع عنوان البصريّ
12وقد نقل لي صباح هذا اليوم رجل أنّ المرحوم الوالد قال له:
«حتّى ابني السيّد محمّد محسن أيضًا ما لم يرد فلن أعطيه!»
ولا يمكن للأستاذ أيضًا أن يشبع أحدًا بغير ابتلاء والتجليّ الجلاليّ، يقول المرحوم الحدّاد للمرحوم العلاّمة:
«إنّ هذا النهج والسبيل يستلزم الإيثار والتضحية، بينما البعض من رفقائنا كسالى وغير مستعدّين للإنفاق والإيثار، لذا فهم يتوقّفون لا يرومون حراكًا. وبالرغم من أنّني كثيرًا ما أذهب إلى الكاظميّة للقائهم وأبقى هناك الأيّام والليالي لكنّ ذلك ليس كافيًا، لأنّ مجالس الأنس والمذاكرات تتضمّن دومًا ذكر الجمال، فيحصل من ذلك الوجد والنشاط؛ ولكن ما إن أحاول عرك أذن أحدهم فإنّ الجميع يفرّون فلا يبقى منهم أحد، و في النهاية فإنّ الأمر لن يتمّ بدون الجلال.
و هكذا فإنّ الحيرة تنتابني في عمل الكثير منهم، و عَلَيّ عند ذلك أن أقوم أحيانًا ـ بمختلف لطائف الحيل و الإيماءات ـ بإجبارهم و دفعهم إلى القيام بأمر مخالف لطبيعتهم ورغباتهم؛ تمامًا كمن يحمل كأسًا حارًّا جدًّا في يده، فعليه أن لا يتركه حتّى لا يتحطّم وأن لا يسمح ليده أن تحترق، لذلك أتصرّف بلباقة، إلى حين حصولهم على التمكين و الثبات في النهج و السبيل».۱
هل تعلمون ماذا أورد الله من البلاء على المرحوم العلامة والمرحوم الحدّاد والمرحوم الأنصاري والمرحوم القاضي؟! ولكنّ النقطة المهمّة هي أنّ الذات نفسها التي تؤدّب تعطي بعد ذلك الحلوى.
فإذا شمل لطفه عبدًا فإنّه يختبره إلى حدّ ويمتحنه حتّى تتحوّل وتتبدّل أفكاره وتخيّلاته وإحساساته شيئًا فشيئًا، فيرى السالك نفسه فجأة في عالم يختلف تمامًا عن العوالم السابقة، فيرى الناس غرقى في الأفكار السطحيّة التافهة التي كان فيها سابقًا.
ولأجل تحمّل هذه التأديبات والعبور من هذه المقاطع والحيلولة دون انقطاع السالك هناك شواهد وخصوصيّات وطرق إن شاء الله سيأتي بيانها عند حديثنا عن كلمات الإمام الصادق عليه السلام.
أهميّة العبوديّة وعدم أهميّة أشكالها المختلفة
الأمر الآخر الذي ينبغي أن يكون مهمًّا جدًّا للسالك هو أنّ الله قبِله بالعبوديّة وأنّه يمشي في هذا المسير، وليس المهمّ كيفيّة المسير. على السالك أن يرى نفسه عبدًا لله، ويجب أن لا يكون لديه مطلب سوى ذلك، وأن يقبل هذا المسير كطريق أوحد لإيصاله إلى الحقيقة. وأمّا أنّه سيصل عاجلاً أم آجلاً؟ في الدنيا أم في الآخرة؟ وهل سيحصل على المشاهدات وخوارق العادات أم لا؟ فكلّ ذلك هو مطالب لا أهميّة لها تتحقّق طبق أسباب ومسبّبات. المهم أنّا في خيمة الإمام الحسين عليه السلام، أمّا ماذا يقرّر لنا؟ فهذا ما يرتبط به هو.
- الروح المجرد، ص ٤٦٣.
