
حاجة النفس إلى التمرين قانونٌ تكوينيّ
تحدّثت هذه المحاضرة عن أنّ حاجة النفس إلى التمرين والذكر هي قانون تكوينيّ كسائر القوانین التي لا يمكن الاعتراض عليها، وحال النفس مع الذكر كحالها مع التمرّن على القيادة والمعالجة والخطّ، ولذلك لا بدّ من المراقبة والذكر وعدم الاكتفاء بالانتساب إلى مدرسة العرفاء، كما تحدّثت عن مفردة من مفردات مراقبة النفس ومخالفة الهوى وهي مسألة تقبيل اليد متحدّثة عن موارد مشروعيّتها وحدودها، وأشارت في الختام إلى تأكيد الروايات على الإكثار من الذكر وأنّه ليس من أباطيل الصوفيّة كما يدّعى. وقد تضمّنت أثناء بيانها لحدود تقبيل اليد بعض المواقف من سيرة المرحوم العلامة الطهراني في عدم تقبيله لرجل المرحوم الحدّاد وعدم قبوله اصطناع الأبّهة أثناء زيارة الإمام الرضا.
حاجة النفس إلى التمرين قانونٌ تكوينيّ
3وفي هذا النظام أيضًا فإنّ نفس الإنسان هي ذات حالة هيولانيّة ولها استعداد وتحتاج إلى عمل لتصل إلى الفعليّة والظهور والبروز. فمثلاً لو أنّ إنسانًا أراد أن يكون خطّاطًا فلا بدّ أن يتمرّن، ولو أنّ إنسانًا أراد أن يكون سائق سيّارة ماهرًا، فلا بدّ في الساعات الأولى أن يداوم على تمرين تغيير مبدّل المحرّك في السيّارة وأمثال ذلك، حتّى إذا ما ابتلي فجأة بحالة انعدام التوازن والانزلاق يمكنه أن يقوم بما ينبغي على أفضل ما يرام. فالسائق الماهر لا بدّ أن يكون قد تمرّن على هذه الطرق، وإلا فحتّى لو علّمت له في النوم والمكاشفة فما لم يفتح بيده باب السيّارة ويجلس خلف المقود ويسر في الطرق الجبليّة والترابيّة والمتجمّدة، فلن يتمكّن من السيطرة على السيّارة.
ودراسة الطبيب في الجامعة لا فائدة منها بدون أن يقف عند المريض ويعاينه سريريًّا، وأن يطبّق بكتابة الوصفة ما درسه، وأن يرى ردّة فعل الدواء ونتيجته، فقط في هذه الصورة ينتقل الطبيب بعد مدّة من الممارسة من مرحلة الاستعداد ضمن الدراسة إلى مرحلة الفعليّة. وهذا الأمر من لوازم طبع البشر.
فكما أنّ النفس البشريّة تحتاج إلى ممارسة في الأمور الظاهريّة، فهي تحتاج إلى أضعاف ذلك في المسائل السلوکيّة ۱وواضح وبيّن أنّه يكفي أن تُترك النفس وحالها يومًا واحدًا بل ساعة واحدة بل لحظة واحدة لكي يصدر عنها عمل ما على أساس الهوى، فتتراجعون فجأة مقدار سنة، ولذلك ورد في الروايات تأكيد شديد على المراقبة والالتفات بحيث أنّ الإنسان لو واظب أربعين يومًا عليها فكم سينال من النتائج!
إنّ أيّ إنسان في أيّ اختصاص كان إن عطّل يومين فسيجد نفسه بطيئًا عندما يرجع إلى عمله ، ولن يكون حائزًا على تلك المرونة والقدرة اللتين كانتا له قبل يومين.
ويمكن أن يكون الإنسان في درس يوم السبت مقلّدًا، وفي درس يوم الخميس مجتهدًا٢، وبعد أسبوع آخر يسلب منه الاجتهاد بسبب عدم التدريس والممارسة مع الطلاّب!
ولو أنّ إنسانًا كان موظّفًا في مراجعة السجلاّت في دائرة ما وعطّل عمله لأسبوع، فإنّه عندما يرجع من جديد لن يمتلك تلك السهولة والاستعداد السابقين.
- . لمزيد من الاطلاع حول ضرورة مجاهدة النفس راجع: معرفة الله ج۱ ص ٣٢٢.
- . باعتبار أنّ الدروس في الحوزات العلميّة تعطّل يومي الخميس والجمعة. (م)
