
الذكر والتمرّن في ميدان العمل على تحقيق الأسماء الإلهيّة في النفس
تتحدّث هذه المحاضرة عن الذكر ودوره في التمرّن على تطبيق الأسماء والصفات الإلهيّة في نفس الإنسان، فبعد أن فسّرت المحاضرة السابقة معنى الأسماء الإلهيّة ودعاء الله بها، تبيّن هذه المحاضرة أنّ في الإنسان ودائع إلهيّة من أسمائه وصفاته على نحو الاستعداد، ويحتاج إخراجها إلى الفعليّة تمرينًا عمليًّا، تمامًا كما يحتاج الطالب الجامعيّ إلى التمرين في المختبر، ويحصل ذلك بأمرين: أولاً: إدراك حقائق هذه الأسماء والصفات وذكر الله بها مع التوجّه إلى حقائقها ومفاهیمها. ثانيًا: تطبيقها في ميدان العمل في المجالات المختلفة. وهي تبيّن أنّ الجمع بين هذين الأمرين كان الفارق بين سلوك العلامة الطهراني وسلوك بعض تلامذة المرحوم الأنصاري رضوان الله عليهما. كما استشهدت لبيان دور التمرين والممارسة في تكوّن الخبرة بسيرة بعض مشاهير فنّي الرسم والخطّ. وأثناء بيان وجود الصفات في النفس وأثرها في الأفعال المختلفة، توسّع المحاضر رضوان الله عليه ببيان دوران الدنيا على أساس الجهل، مستشهدًا بالعديد من صور ذلك كالاهتمام الكبير بكرة القدم ومعايير انتخاب الرؤساء و...
الذكر والتمرّن في ميدان العمل على تحقيق الأسماء الإلهيّة في النفس
3وكما أنّ وجود الله المقدّس في مقام الذات هو حقيقة محضة وكمال مطلق، فإنّ الأسماء الإلهيّة التي هي رشحات من تلك الذات والصفات الإلهيّة التي هي لازمة لتلك الأسماء هي ذات حقيقة مطلقة وكمال مطلق بإطلاق الله وكماله۱؛ لذلك فإنّ من يريد أن يوصل نفسه إلى الكمال المطلق لا بدّ أن يسلك طرق الوصول إلى ذاك المقصد، ويمضي قدماً في ذلك الاتجاه.
فهل الغِيبة والتهمة وإتلاف الوقت وإساءة السلوك مع خلق الله وطلب المنافع للنفس والتمحور حول الذات في القضايا والمسائل المختلفة واتخاذ المعايير الشخصية لتقييم الأشياء هل كل ذلك طرق للوصول إلى الله؟ فلو أنّ إنساناً جلس وقام بما يهوى وخاض فيما يريد ثمّ سلى نفسه بكلمات من الأذكار والأوراد وآيات القرآن فعليه أن يعلم أنّه قد ضلّ الطريق ولم يزدد من الله إلا بعداً٢ فبمقدار ما يسير الإنسان على خلاف هذا الطريق فإنه يبتعد عن ذلك المبدأ ولا يترتب على أعماله أي أثر.
حاجة الإنسان إلى التمرّن على تطبيق أسماء الله في ذاته كحاجة الطالب إلى المختبر
إنّ حالنا مع أسماء الله يشبه حال طالب يدرس في جامعة، فلو أنهم لم يأخذوه إلى المختبر لما أمكنه أن يعرف الصواب والخطأ فيما درسه في علم و ظائف الأعضاء وأمثاله، فلا يمكنه أن يلاحظ آثار الميكروبات على الأعضاء والجوارح وأجهزة البدن، بل لا بدّ أن يرى ما يدرّسه أستاذه بعينه وبطريقة عمليّة، لا بدّ أن يرى بنفسه كيفيّة الدورة الدمويّة وتأثير الدواء والسمّ على الجهاز العصبي، ولا بدّ أن يطبّق عمليًّا ما قرأه في الكتب المختلفة، وأن لا يكتفيَ بها بشكل نظريّ حيث يمكن أن تتضمّن بعض الأخطاء.
فلو كان المطلوب أن يحفظ الإنسان ما يقوله الأستاذ حفظ الببغاء، فستكون هذه المعلومات في ذهنه وكأنها في شريط مسجّل، ولن يتمكّن من التصديق بها والشعور بها بوجدانه.
إنّ طالب الهندسة المعماريّة الذي يدرس كيفيّة بناء الجسور ومدّها ونصب الأعمدة وأمثال ذلك لا بدّ أن يحسب مقدار الضغط الناتج الذي سيكون على كلّ عمود، وأن يجرّب ذلك أيضاً عمليًّا؛ فمثلاً لا بدّ أن يشاهد كم يمكن للزاوية الموصولة بالجسر أن تنقص من الضغط عن كلّ سانتيمتر مكعّب منه. والحاصل أنّه إن لم يجرّب علومه ولم ينزل إلى ميدان العمل بعد سنوات من الدراسة، فإنّ مبنى من عدّة طبقات سينهار بسبب عدم تحمّل الضغط.
- لمزبد من الاطلاع حول الكمال المطلق لأسماء الله وصفاته راجع معرفة الله جزء ۱ ص٢٢۸.
- الكافي ج۱ ص ٤٥.
