
لماذا لا يمكن الوصول إلى الله إلا بالتوجه إلى أسمائه؟
تفسّر هذه المحاضرة آية (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، فتبيّن معنى الاسم والكلمة وأنّه الحقيقة التي وارء اللفظ، مبيّنة نماذج من الأسماء الإلهيّة كالنور والمحيي والعليم والقدير والمدبّر وكيفيّة التوجّه إليها في الحياة العمليّة، وأنّ هذا التوجّه هو الذكر والسلوك إلى الله، دون التلفظ بها فقط. كما تشرح السبب في ضرورة التوجّه إلى تلك الأسماء للوصول إليه تعالى، فتوضّح أنّ هذا السبب هو كون الواقع هو الله تعالى وعدم امتلاك غيره للأسماء الحسنى، وأنّ الله قد نظم الكون على أساس هذه الأسماء فلا بدّ في مقام التربية والسلوك (التشريع) من الانسجام مع نظام التكوين هذا الذي وضعه الله تعالى بالتوجّه إلى هذه الأسماء، كما بيّنت أنّ من التوجّه إلى هذه الأسماء الرجوع إلى الأئمة المعصومين عليهم السلام الذين هم الوسيلة الوحيدة التي يمكن لأسير عالم المادّة أن يبتغيها للوصول إلى الله، ولذلك لا تنتج الطرق المبتدعة للدراويش والمرتاضين وغيرهم عارضة كشاهد على ذلك قصّة أحد الزاعمين استغناءه عن الأستاذ بسبب لقائه رجلاً يزعم أنّه إمام الزمان. وقد استعانت في شرح تجلّي اسم الله النور بتحليل سيرة رسول الله وحالته في بداية دعوته ونهايتها، وكيفيّة نظرته إلى الكفّار حيث لم يكن همّه زيادة عدد أتباعه بل همّه إزالة الحجاب عن أعينهم. كما عرضت على ضوء رؤية أسماء الله الحسنى في الوجود كلّه لمبدأ سلوكيّ في العلاقات الأسرية والاجتماعيّة يحقّق المدينة الفاضلة وهو يقضي بضرورة النظر إلى النفس نظرة المدين إلى الناس لا المتفضّل عليهم، ومثّلت للانسجام بين التشريع والتكوين بقصّة طبيبة يهيوديّة تخصّص أيامًا من معالجتها للناس مجّانًا.
لماذا لا يمكن الوصول إلى الله إلا بالتوجه إلى أسمائه؟
4سبب الاختلافات الأسريّة (حكاية في الإصلاح بين زوجين)
قبل مدّة جاءني اثنان لحلّ بعض الاختلافات الأسريّة الناشئة من اختلاف الطبائع والأذواق، فالتفتُّ إلى أنّه ليست هناك مشكلة سوى التوقّع الزائد عند كلّ منهما. فقلت لتلك المرأة: إنّي سأتكلّم مع زوجك بضعة دقائق ثمّ تأتين، فلمّا ذهبَتْ قلت للزوج:
إنّ كافّة مشكلتكما ترجع إلى أنّك ترى نفسك متفضّلاً على الناس في علاقتك معهم. طبّق من اليوم فصاعدًا هذا القانون وهو أن ترى نفسك دائمًا مدينًا لهم، افترض أنّك أجير عند الإنسان الذي أنت على خلاف معه، وعليك حتّى نهاية الشهر أن تقوم بالواجب إزاء الأجرة التي أخذتها منه، ولذلك فعندما تأتي إلى المنزل وترى أنّ الأمور ليست كما ينبغي، ولم ينجز ذاك العمل المعيّن، فأصلاً عليك أن لا تقول "لماذا؟" لأنّك لست صاحب حقّ لتطالب به. وطبعًا لا تظنّ أنّ هذا العمل سهل! وعليك أن تثبت أمام عهدك هذا! وقد كان المرحوم الوالد يقول: من استطاع أن يدير حياته الأسريّة على أساس المباديء الإسلاميّة يمكنه أن يدير دولة!
وبعد أن ذهب وجاءت تلك المرأة قلت:
بناء على التحقيقات التي أجريت، ليس في حياتكما أيّة مشكلة سوى مراعاة أمر واحد، وبالطبع ينبغي أن لا تخبري به زوجك: إن أعطيتني عهدًا أن لا تطالبي زوجك بشيء وأن تري نفسك دائمًا مدينة له، فإنّي أضمن لك سعادة حياتك. فلو أنّ زوجك كان متأذّيًا من شيء فلا تتأذَّيْ، واشعري دائمًا أنّك مقصّرة معه في القيام بالواجبات. لا بدّ أن يتحقّق هذا الشعور عندك، ورغم أنّه صعب جدًّا، ولكن إذا احتملته شهرًا فستجنين ثمرته.
القاعدة السلوكيّة في التعاطي مع الجميع: انظر لنفسك على أنّك مدين لهم!
وبالطبع فإنّ هذه المسألة تشمل جميع الناس، فهذا برنامج سلوكيّ من الأعاظم لتلامذتهم، وبصورة عامّة لجميع الناس، وهي أن يروا أنفسهم مدينين لجميع الناس. على الإنسان في المباحثات العلميّة أو الدائرة والمتجر أن يرى نفسه مدينًا للآخرين، فهذه الحالة هي من أهمّ البرامج السلوكيّة. وهذه القاعدة لم تصل إليها حتّى المدينة الفاضلة التي كتب عنها أفلاطون والفارابي، ولو طبّقنا ذلك في المجتمع فأيّة مدينة فاضلة وأيّ مجتمع سيكون لدينا؟! هذه هي وحدة الكلمة التي أوصى بها الأئمة عليهم السلام، وهي وحدة الوجود التي يتحدّث عنها الفلاسفة، وهي مسألة وحدة اللون التي يتحدّث عنها الأولياء والعرفاء:
