
تفصيل أثر الذكر في الحياة المعنويّة للسالك
بعد أن تبيّن في بعض المحاضرات السابقة دور الذكر الإجماليّ في الحياة المعنويّة للسالك، تفصّل هذه المحاضرة علّة هذا الدور، حيث تشرح تركّب الإنسان من بعدين مادّي ومعنويّ، وكون الذكر هو الغذاء المعنويّ له والذي يحتاجه كالغذاء الماديّ، وتثبت ضرورته لتلطيف النفس وتجريدها وانكشاف حقائق أسماء الحقّ وصفاته لها، مشيرة إلى الارتباط بين المزاجين المادّي والروحيّ في كلام ابن سينا، وإلى أثر اليقظة بين الطلوعين في تحقيق الاعتدال فيهما والاستعداد النفسيّ والذهنيّ لفهم الحقائق. ثمّ بيّنت أنّ الأذكار تختلف باختلاف المراتب الوجوديّة للسالك (من مرتبة المادّة إلى المثال إلى الملكوت...) وكذلك باختلاف الأوقات والحالات، فدعاء الصباح يختلف عن دعاء الافتتاح وأبي حمزة وهكذا... وأكّدت في الختام على ضرورة قيام الليل لتحصيل الكمال.
تفصيل أثر الذكر في الحياة المعنويّة للسالك
الوصف:
بعد أن تبيّن في بعض المحاضرات السابقة دور الذكر الإجماليّ في الحياة المعنويّة للسالك، تفصّل هذه المحاضرة علّة هذا الدور، حيث تشرح تركّب الإنسان من بعدين مادّي ومعنويّ، وكون الذكر هو الغذاء المعنويّ له والذي يحتاجه كالغذاء الماديّ، وتثبت ضرورته لتلطيف النفس وتجريدها وانكشاف حقائق أسماء الحقّ وصفاته لها، مشيرة إلى الارتباط بين المزاجين المادّي والروحيّ في كلام ابن سينا، وإلى أثر اليقظة بين الطلوعين في تحقيق الاعتدال فيهما والاستعداد النفسيّ والذهنيّ لفهم الحقائق. ثمّ بيّنت أنّ الأذكار تختلف باختلاف المراتب الوجوديّة للسالك (من مرتبة المادّة إلى المثال إلى الملكوت...) وكذلك باختلاف الأوقات والحالات، فدعاء الصباح يختلف عن دعاء الافتتاح وأبي حمزة وهكذا... وأكّدت في الختام على ضرورة قيام الليل لتحصيل الكمال.
تفصيل أثر الذكر في الحياة المعنويّة للسالك
2أعوذ باللـه من الشيطان الرجيم
بسم اللـه الرحمن الرحيم
الحمد للـه ربّ العالمين
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
ورسول ربّ العالمين
أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
خلاصة المحاضرة السابقة
کان البحث فی الجلسة السابقة حول كيفيّة التوفيق بين الأوراد والأذكار والانشغالات اليوميّة للإنسان في عمليّة التكامل المعنويّ والتربويّ لدى السالك. وتقدّم أنّ الأمر الذي يمكن أن يكون حقًّا وجامعًا لجميع مظاهر الله الجماليّة والجلاليّة هو الأكثر انطباقًا على مشيئة الله في نظام التكوين. ورغم إمكان أن تكون كيفيّة الأعمال السلوكيّة في بعض المراحل بنحو تجعل السالك يمتنع عن المشاركة في المسائل الاجتماعيّة۱، حيث قضى الرسول الأكرم وكثير من الأنبياء والأولياء برهة من أعمارهم في الانعزال وعدم الارتباط مع الناس، ولكن أن يكون السلوك عبارة عن ترك جميع الأمور التي يرتبط بها الإنسان ويتّصل في الحياة الدنيا، فإنّ مسيرًا كهذا لا يمكن أن يكون حقًّا بتمام معنى الكلمة.
ورغم أنّه لم يصرَّح في كلام الإمام الصادق عليه السلام لعنوان البصريّ بهذه المسألة، ولكن يمكن أن يستفاد أنّ الإمام ينبّه على المسألة ويقول: "إنّ لي أورادًا في آناء الليل والنهار" وهذه الآناء والساعات مغايرة للأوقات التي أقضيها في الأمور الأخرى.
أثر الذكر في الحياة المعنويّة للسالك
والأمر الذي لا بدّ من الالتفات إليه هنا أن ما هو أثر الذكر في السلوك والتكامل المعنويّ والتربويّ لنفس السالك؟ وتبعًا لذلك ما قيمة كلام الذين ينكرون لزوم الذكر والمراقبة مع قولهم بطيّ المدارج والمراتب؟
تركّب الإنسان من مادّة وروح وخضوعه لقوانينهما
لا شكّ أنّ الإنسان موجود مركّب من المادّة والروح، وبعبارة أصحّ: له نفس ناطقة ذات قالب مادّي، وما يشكّل حقيقته ليس هذا البدن. وهو في علاقته مع قوانين التكوين والنظام الأحسن للكون ليس منفصلاً عن سائر الموجودات.
حاجة المادّة إلى الغذاء
فالمادّيات في هذا العالم تحتاج لاستمرار الحياة والتكامل والنموّ إلى التغذية، لأنّ النظام الحاكم على هذا العالم يقتضي مثلاً إذا كان هناك شجرة تنمو وتتكامل في الدنيا فإنّها تحتاج إلى ضوء وماء وأوكسيجين وتراب وموادّ غذائيّة، ولو انعدمت هذه الأمور ليبست الشجرة وماتت وتحوّلت إلى تراب. ورغم أنّ كافّة الحيوانات والنباتات وفق الخصوصيّة والطبيعة التي لها تختلف فيما بينها في كيفيّة دخول هذه الموادّ وخروجها،٢ لكنّها لو منعت من الماء مدّة لماتت جميعًا. والإنسان أيضًا ليس بمستثنى من هذه القاعدة، وهو بحاجة في حياته الظاهريّة إلى موادّ أيضًا تؤمّن حياته في هذه الدنيا، ولو تغيّرت كلّ واحدة من قواعد التغذية عند الإنسان لشوهدت فيه الأمراض وسائر العوارض.٣
- وسيأتي في الأبحاث الآتية كيف يمكن للإنسان في بعض المراتب أن يحدّ بنحو ما دائرة علاقاته مع الناس لكي يحصل لديه ذلك الأثر الخاصّ الذي يترتّب على العمل بالأمور المعنويّة والعباديّة.
- من باب المثال فإنّ بعض النباتات التي تعيش في المناطق الحارّة كالكمّون تحتاج إلى ماء أقلّ وتحتفظ به في داخلها، وبعضها الآخر كشجرة الدلب والصفصاف والتي تقوم بتصفية الهواء بواسطة تبديل الماء إلى أوكسيجين، تحتاج إلى مزيد من الماء والموادّ، ولو لم يصل إليها الماء تتيبّس بسرعة ولا تتمكّن من الاستمرار في حياتها.
- كانوا يعبّرون عن هذه المسألة في الطبّ القديم بالأخلاط الأربعة، وهي موجودة في الطبّ المعاصر ببيان آخر. فلو أنّ الدهن أو أسيد واريك ارتفع لمرض الإنسان بمرض معيّن من الأمراض، ولو هبط لابتلي بنوع آخر، ولا بدّ أن يتناول الدواء لكي يتماثل للشفاء، فتحصل السلامة بتعديل المزاج.
