
العبادة وشؤون الحياة
استكمالاً للمحاضرة الثانية عشرة حول مراتب الذكر وشموليّة الإسلام، تتحدّث هذه المحاضرة عن ضرورة الجمع بين العبادة والتصدّي لشؤون الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، فهي ليست للعاطلين المترهبنين، مبيّنة أنّ الرهبانيّة ـ وإن لم تكن محرّمة ـ لا تنسجم وشموليّة الإسلام، التي فسّرتها برؤية التوحيد والمشيئة الإلهيّة في مختلف مراحل الحياة ومظاهرها من النصر والهزيمة، معالجة المشكلة التي وقع فيها الخلفاء حين كانوا يتوقّعون من النبيّ النصر الدائم فلم يقبلوا هزائمه، في حين أنّ النبيّ نفسه، رغم امتلاكه القدرات لم يكن يراها من نفسه ولا يستعملها في غير مشيئة الله. وفي هذا السياق عالجت المحاضرة أيضًا شبهة ابتعاد العرفاء عن الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة مبيّنة أنّ العارف ليس من يقتصر على الذكر والعبادة ويترك الحياة بل هو أكثر الناس شعورًا بالمسؤوليّة ودقّة في تطبيق المشيئة الإلهيّة أثناء القيام بها، والذي لا يبالي بما تكون النتيجة بل بالقيام بالتكليف. وختمت المحاضرة بمعالجة مشكلة قلّة المبالاة بالعبادة وذلك بالتفكّر والتأمّل في مشكلات النفس وذهاب العمر الباعثين على الإحساس بالألم.
العبادة وشؤون الحياة
9الشيخ محمّد حسين الأصفهاني والسجدات الطويلة في النجف
لم يكن المرحوم الشيخ محمّد حسين الكمباني الأصفهاني ـ والذي كان يقضي ساعات في حرم أمير المؤمنين عليه السلام ساجدًا يذكر الله ـ بالإنسان العاديّ العاطل عن العمل، هذا الرجل العظيم الذي تُقرأ اليوم كتبه ككتب دراسيّة، كان من أعلم فضلاء النجف ومراجعه، لم يكن إنسانًا مجنونًا خسر عقله ليجلس ساعات في الحرم المطهّر لأمير المؤمنين عليه السلام ويذكر الله.
في حين أنّ هؤلاء العلماء والشيوخ كانوا يسخرون منه ويطعنون عليه ويقولون: "انظروا إلى هذا الإنسان العاطل قد سجد كالدراويش في الحرم يذكر الله."
لئن كان ذكر الله والسجود يجعلان الإنسان من الصوفيّة، فإنّ موسى بن جعفر ـ الذي كان يسجد من الصباح حتّى الظهر وبعد صلاة الظهر يسجد من جديد إلى الغروب ـ هو رئیس المتصوفة!
إنّ كلّ ذلك الكلام هو لأجل الفرار من المسؤوليّة، لا يمكن لأحدهم أن يسلك هذا الوادي فيشرع بالطعن على الآخرين. لا قدرة له على الدخول في هذا الطريق فيأخذ بالاستشكال على الآخرين.
ذهبنا يومًا إلى مكان كان فيه عدد من الفقراء، فقلت للرفقاء هؤلاء واقعًا محتاجون فمن كان بإمكانه فليساعدهم، وكان الأصدقاء يساعدون بكلّ رضى، ولكنّ رجلاً لم يكن ليمدّ يده إلى جيبه، وكان يعترض على الآخرين بأنّكم بفعلكم هذا تزيدون المتكدّين، فهؤلاء الناس لا يدخلون في هذه المسائل، وبدلاً من ذلك يقضون أوقاتهم بالاتّهام والغيبة وأنّ فلانًا ماذا صنع وماذا سيصنع؟ وكأنّ هذه الأفكار أن كيف نرسل رسالة عن فلان ونوقع الاثنين في الفتنة؟ وما هي الطرق التي نسدّها؟ هي من الوظائف والواجبات!
كان المرحوم العلامة يقول:
كنت في مجلس في النجف الأشرف فنشب نزاع بين اثنين، وسمعت بأذني رجلاً من بيوت أحد العلماء يقول لرفيقه: لماذا جئت بفلان (الحاج عبد الرزاق الكرمانشاهي) من كرمانشاه إلى النجف، وأسكنته في هذا البيت ولم تأخذه إلى فلان؟ هؤلاء الذين يأتى بهم إلى النجف لا بدّ أن يبقوا بضعة أيّام فقط ثمّ يُخرجون منها، لأنّهم لو بقوا في النجف واطّلعوا على حقيقة أفكار وأخلاق بعض الناس ورأوا القضايا التي تجري في البيت، فإنّهم إذا رجعوا إلى بلادهم نقلوا للآخرين فيُسدّ طريق الحقوق الشرعيّة. ۱
- . سالك آگاه، ج ۱، ص ٥۷.
